برزت في الأيام الفائتة أربعة متغيرات أساسية في تفاصيل التصريحات والمواقف الأميركية من عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أولها تشكيك من داخل الإدارة الأميركية نفسها بفرص ما يجري إعداده من أفكار، والثاني، تبلور اعتراف أنّه يجري طرح الشق الاقتصادي في الصفقة مع تأجيل السياسي. والثالث، توقع تأجيل طرح “الأفكار مجددا. ورابعاً، اعتراف الفريق الصهيوني في الإدارة الأميركية أنّه لا يمكن تجاوز مسألة حق تقرير المصير للفلسطينيين، من حيث المبدأ، مع تفريغ الفكرة من محتواها عند التطبيق.
في تسجيل لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، حصلت عليه صحيفة واشنطن بوست، قال في اجتماع مغلق مع قيادات المؤسسات اليهودية الأميركية، إنّ الخطة الأميركية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي طال انتظارها، “غير قابلة للتطبيق”، وأنّه “يفهم لماذا يقول أناس أنّها ستكون صفقة لا يحبها سوى الإسرائيليين”.
أهمية ما يقوله بومبيو، يمكن فهمه لأكثر من سبب. الأول، أنّ وزارة الخارجية الأميركية الحالية، منعت منذ مجيء دونالد ترامب من التعامل مع الملف الفلسطيني – الإسرائيلي، لصالح فريق من أصدقاء وأصهار الرئيس الأميركي، من أنصاف الإسرائيليين، أي من اليهود الأميركيين الضالعين في الاستيطان الإسرائيلي. والواقع أنّ غالبية القوى اليهودية الأميركية التقليدية، القيادية، أيضاً ذات علاقة متوترة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لأسباب مختلفة، من ضمنها سياسات نتنياهو في العملية السياسية، والأهم تحالفاته مع الأصولية الأرثوذكسية اليهودية. وبالتالي ربما يتضح أن اللقاء المسجل المذكور هو بين وزير مسلوب الصلاحيات، وقادة يهود غاضبين، ويؤرقهم صعود لوبي اسرائيلي جديد، يقوده الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون، هو “المجلس الإسرائيلي الأميركي”، وينافس اللوبيات الإسرائيلية – الأميركية التقليدية، ويتحالف مع نتنياهو بشكل خاص، ويرعى فريق ترامب الإسرائيلي. وواحد ممن انتقد أفكار فريق ترامب هو دينيس روس، وهو مسؤول أميركي يهودي، لا يقل تأييداً لإسرائيل عن فريق ترامب، الحالي، ولكنه أكثر خبرة، وهو ممن تم إقصاؤهم، وهو من قال إنّ خطة لا تشمل بعداً سياسياً لن تلقى قبولاً عربياً.
هذا يقود لتصريح جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأميركي والمكلف بالملف الفلسطيني الإسرائيلي، في لقاء تلفزيوني، فقال بالنسبة للفلسطينيين “أعتقد أنّه يجدر أن يحصلوا على حق تقرير المصير”. ولكنه أضاف أنّه سيترك التفاصيل للخطة الحقيقية للسلام، وأنّه قبل الحديث عن أن يحكم الفلسطينيين أنفسهم هم “بحاجة إلى نظام قضائي عادل، حرية صحافة، حرية تعبير، وتسامح مع الأديان”. بل أضاف كوشنير جملة غريبة، وهي أنّ كل هذا ضروري “قبل أن تصبح المناطق الفلسطينية “قابلة للاستثمار”، وكأنه سيشترط كل هذا مقابل “استثمارات” تجارية تخدم الاقتصاد الإسرائيلي. من هنا يتضح أنّ كوشنير وحديثه عن حق تقرير المصير للفلسطينيين، يأتي بسبب الانتقادات التي يسمعها سواء من قادة عرب أو من مسؤولين أميركيين وحتى قيادات يهودية أميركية، بأنّه لا يمكن تجاهل البعد السياسي في القضية الفلسطينية.
نوايا تأجيل السياسة لمصلحة الاقتصاد، تأتي واضحة في الإعلام، نقلا عن البيت الأبيض، فمثلا كتبت الغارديان البريطانية، أنّ مؤتمر البحرين هذا الشهر، هدفه “تشجيع الاستثمار في المناطق الفلسطينية باعتبارها الجزء الأول من خطة السلام…”.
ما يفعله كوشنير هو محاولة جعل الحديث عن الاقتصاد عاجلا، بما يعنيه من تطبيع عربي اسرائيلي، مع جعل حق تقرير المصير للفلسطينيين أمرا مؤجلا وغامضا وخاضعا لاشتراطات.
مع قرار إجراء انتخابات إسرائيلية جديدة، وتشكيل حكومة جديدة، لن تتضح قبل نهايات العام 2019، فهذا سيشكل ذريعة لتأجيل أي حديث عن خطة سلام متكاملة إلى العام المقبل، أي العام قبل الأخير، قبل الانتخابات الأميركية.
نجح الفلسطينيون بدعم عربي، وعبر رفضهم الحديث مع الإدارة الأميركية الحالية، ورفض سياساتها الداعمة للاحتلال، ورفض قبول وعود بثمن اقتصادي مقابل الصمت على السياسات الخاصة بالقدس واللاجئين والأسرى، بفرض الإشارة للحقوق السياسية، حتى من قبل شخص مثل كوشنير، ولكن الجانبين الأميركي والعالمي، بعيدون عن أخذ الموضوع بجدية.
الخطر الحقيقي أن جوهر السياسة الأميركية الإسرائيلية هي “الإشغال” فيما مشاريع الاستيطان والتطبيع تتقدم، ما يعني أنه حتى إذا أعلن الأميركيون تراجعهم عن فكرة صفقة نهائية، فهذا لا يشكل انتصاراً، لأنّ هناك وقائع تفرض على الأرض.
 
نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3 يونيو 2019
 

الارشيف