يرى مشاهدو التلفزيون عادة مشاهد الرؤساء الأميركيين يستقبلون الرؤساء من دول العالم في البيت الأبيض، أو مقر أميركي آخر، ولا يذهبون إلى المطار لأجل ذلك، والاعتقاد أنّ هذا يعكس مكانة وأهمية الولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي فإن ذهاب نائب الرئيس الأميركي، ووزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، ومستشارين ومندوبين آخرين، إلى أوسلو لقيادة وإدارة مؤتمر “السلام والأمن في الشرق الأوسط”، يومي 13 و14 شباط (فبراير) 2019، وامتناع دول عن الحضور، أو إرسال دول مستوى متواضع، أقل من المستوى الأميركي، هو تعبير عن اللحظة الراهنة الأميركية بكل ما فيها من ارتجال، وتشتت، وارتباك. وتبدو المهمة الوحيدة التي ينجح بها الأميركيون هي إرضاء الحكومة الإسرائيلية.
فريق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي برز في المؤتمر، هو فريق من خارج دوائر الدبلوماسية التقليدية، يغلب عليه أشخاص جاؤوا بفضل علاقاتهم العائلية والشخصية مع ترامب، أو لأنهم لا يناقشونه فيما يريد. وعلى سبيل المثال تفاجأ الإعلام العالمي، والأميركي بحضور محامي ترامب الشخصي، ورئيس بلدية نيويورك السابق، رودي جولياني ليقود مظاهرة نظمتها المعارضة الإيرانية، في الشارع، ضد سياسة طهران، وليخطب جولياني بالجماهير، ضد قادة إيران داعياً لإخراجهم من الحكم. وعندما سئل محامي ترامب، عما يفعل قال إنّه ممثل لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، (التي كانت تصنف ضمن جماعات الإرهاب في الولايات المتحدة الأميركية).
فكرة المؤتمر في جوهرها، هي إعلان القدرة على العمل في أطر دولية جديدة، بعيداً عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعن الأمم المتحدة، وعن الشرعية الدولية. وكان محور الخلاف الأول مع الشركاء الأوروبيين، رفضهم حصر الاجتماع بمناقشة الشأن الإيراني، فأضيفت اليمن وسورية ثم فلسطين، على عجل، ودون اهتمام حقيقي، ودعي الفلسطينيون متأخراً ورفضوا الحضور. وطغت على المؤتمر كلمات وتصريحات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين في لوم وعتاب الحلفاء الأوروبيين لعدم تجاوبهم مع خطط الحصار وتغيير النظام الإيراني.
في الواقع أرسلت ألمانيا وفرنسا موظفين أقل من وزير خارجية، ووافق وزير خارجية بريطانيا على الحضور بعد مساومات، وبشرط أن يرأس الجلسة عن اليمن، وقامت الدول الثلاث قبل المؤتمر بأيام بإنجاز نظام تجاري للتغلب والتحايل على الحظر الأميركي على إيران.
بدت الإدارة معزولة إلا من بنيامين نتنياهو، الذي استأثر بالأضواء دون مسؤولين إسرائيليين آخرين، والمتهم بالفساد.
حصّل رئيس وزراء دولة الاحتلال، نتنياهو، عصورا تطبيعية، مع عرب، قد تساعده انتخابياً، وقد تدق جرس إنذار حقيقيا فيما يحدث عربياً، بحق القضية الفلسطينية، والفلسطينيين، ولكنها قد تقرّب لحظة الحقيقة، فيما يتعلق بمعنى التطبيع العربي القائم. فمن جهة قال المسؤولون العرب في المؤتمر إنّ موضوع إيران يعيق السلام. بمعنى أن العرب لا يقولون سنتعاون لوقف إيران، بل يقولون إنّ حل موضوعي إيران، والقضية الفلسطينية، يسبق التطبيع، هذا رغم دلالة أن يجلس الإسرائيليون والعرب معاً. ومن علامات الارتجال الإسرائيلي، والبحث عن مشاهد ينتشي نتنياهو بترويجها، بث مكتبه تسجيلا غير واضح، وغير محترف، لندوة شارك فيها مسؤولون عرب، يتحدثون ضد إيران، ثم قام المكتب بسحب التسجيل بعد ساعة، وإصدار المكتب أيضاً بيانا اضطر لتعديل صياغته لاحقا، فتحدث عن التعاون من أجل “الحرب على إيران” ثم تغير الكلمة إلى مفردة “مواجهة”.
لم يخرج نتنياهو من وارسو إلا وقد سبب خلافا مع الحكومة البولندية، بسبب إشاراته للمحرقة النازية، في الحرب العالمية الثانية، بطريقة يفهم منها أنّ كل البولنديين متورطون، وعدا الاحتجاج للسفير الإسرائيلي في بولندا، تقرر إرسال وزير خارجية بولندا إلى اجتماع لدى الإسرائيليين، بدلا من رئيس الوزراء الذي كان مقررا أن يقوم هو بالزيارة.
كذلك رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتجمعين مهمين في بلاده، وتحديداً في سوشي، الأول للفصائل الفلسطينية، والثاني مع قادة تركيا وإيران، وبدا أن مثل هذا الاجتماع فيه بعد عملي أكثر من لقاء وارسو، خصوصاً في مسائل مثل سورية.
غلب الارتجال والتشوش والرسائل السلبية على الأداء الأميركي في واشنطن، ولكن هذا الارتجال يحمل أيضاً خطر قيام هذه الإدارة بأفعال متهورة. أما نشوة نتنياهو، بالصور بجانب مسؤولين عرب، فتعكس تطورا مهما وخطيرا فعلا، ولكن قد لا تعكس نجاحا إسرائيليا حقيقيا، كما سيتضح قريباً.
 
نشر في الغد الأردنية 18 فبراير 2019

الارشيف