كنتُ قد زرته أكثر من مرة، لأتعرف و”أتشرف” به، لأرى عبق الثوار الباقي فيه، وفي خطوه على العوسج والشوك، وهو ينقل الفدائيين عبر الحدود. هو من الذين تحدوا نظريات توازن القوى، وغيروا التوازن. وكان دائما مُنفتحا إلى أبعد حد في ترحيبه وكرمه وطيبته، منغلقا إلى حدٍ كبير، في حديثه عن دوره وحياته.
ابنه في نهاية العقد الثالث من العمر، قضى أكثر من ثلثها في المعتقل الإسرائيلي، خرج مؤخرا. ذهبتُ لتهنئته. ما يزال الابن، يحاول استيعاب ما يحصل حوله، يكاد لا يجد الكلمات.
رأيت مشهد الابن سابقا؛ عندما تذهب لتهنئة أسير محرر قضى سنوات طويلة من عمره، ترى أنه لا يجد كثيرا من الكلمات. يتفاجأ بتناثر الناس حوله، أكثر ما يحرجه سؤال “ألا تذكرني؟”. يسأله الناس، وهو غالبا لا يذكر. ومما يدخل في باب الطرافة، أن البعض يأتي في أول يوم ويذكره بنفسه ويحادثه، وفي اليوم الثاني يعود فيكون الأسير – المحرر نسيه، أو اختلط عليه. ينغلق الحديثُ على الابن.
كأن خروج الابن أطلق لسان الأب؛ “عندما خرجتُ من المعتقل، العام 1978، كان شقيقه (شقيق الابن المحرر، الموجود في الأسر الآن)، قد أصبح خمسة أعوام، ولا يعرفني. كان قد اعتاد مرافقة ابن الجيران، مع والده، ليشتري له من البقالة ما يشتري لابنه من سكاكر وحلويات. رفض ابني في البداية أني أبوه، ناداني “عمو”، كان يشعر بالغضب أني في البيت، وتفاقم الأمر عندما أردتُ ممارسة دور الأب في التوجيه والضبط”. يتمتم الأب، وهو يتركني ليستقبل مهنئين جددا، “والله كانت صعبة”.
يهمس بأذني رفيق دربهم النضالي: كان صديقنا (الأب) يخاطر بحياته وهو يعمل دليلا للمناضلين والدوريات عبر الحدود. في عشرات المرات التي عبر بها حدود بلد لآخر، كان معرضا لانفجار لغم. ويضحك بمرارة، ويخبرني بتعليق إحدى صبايا العائلة، “من يستحق وساما هي زوجته، التي كانت تنتظر عودته كل مرة، تتوقع الخبر الأسوأ، تبقى مع الأطفال، وعدد الأطفال يكبر كل عام”، وينقل عن الصبية استغرابها كيف كانت الأم تقوى على الإنجاب؟.
يخبرك والده، بصوت متهدج قليلا، وقد جرؤتُ هذه المرة على السؤال “أتعرف؟ نحتاج لمن ينبش ذاكرتنا، أحتاج من يأتي ويجعلني أتذكر”. يندفع ويقول لي “لا يجب إبقاء الرواية مدفونة”.
يقول كنتُ قد بدأت “أتعكز” عليهما، ابناي الكبيران، يعملان ويساعدانني، كان راتبي التقاعدي، 1400 شيكل (280 دينارا). كانت لدي سيارة خاصة أعمل عليها لأساعد نفسي، بعض الناس لم يرحمني قالوا “بعد مال الثورة جاء يزاحم السائقين في رزقهم”، وأضاف، بدأتُ قبل اعتقالهما، أشعر أن بإمكاني الراحة، وسيعملان، ويساعدانني في تعليم أخواتهما في الجامعات، هما لم يتعلما. إذن، هذا الثوري يؤرقه تعليم البنات. ويكمل “كانا كالبرعم وكانت الثمرة قريبة”.
في مساء لقائي مع الأسير المحرر ووالده، وفي زيارتي لصديق آخر، تتحدث ربة البيت عن الأسير الذي أُطلِق، وتحدثك عن باقي العائلة. ثم يأتي أخوها الشاب الوسيم، الباسم، وينتقل الحديث عن ابنه، ابن السابعة عشرة المعتقل، بتهمة “إعاقة آليات الاحتلال والإضرار بها”، ولائحة الاتهام حددت الأضرار التي مست الجرافة التي جاءت تغلق الطريق وتهدم البيت، بمبلغ (15 ألفا و400 شيكل، و70 أغورة)، ويضحكون بسخرية. ويجري الحديث أن الأسر يجعل الأطفال ينضجون قبل أوانهم، وأن الأسر مدرسة أحيانا، ولكننا نتفق أن الأسر أحيانا مدمر وصعب وخطير، ولا بد من حذر وعناية لهم، خاصة لصغار السن، عندما يخرجون.
يبدو والد الأسير المحرر، وهو يخبرني كيف كان بيته في الشتات، ذات شتاء: فرشات على الأرض مباشرة، وغطاء فوقنا، ثم الحصيرة وضعناها فوق الغطاء علها تمنع قطرات الماء المتسرب من السقف، يبدو هذا الفدائي، بعيدا عن سؤال من نوع: لماذا أكمل ابناي الطريق؟ يبدو موضوع المقاومة بديهيا في رأسه ما دام الاحتلال موجودا.
وهو يخبرني نحتاج من ينبش في ذاكرتنا، كان يقصد أيضا أريد من يساعدني لترتيب المشاهد، وتسلسل الأحداث حولي وفي حياتي، والبحث عن المعنى فيها. لكن يمكن تحميل جملته معنى آخر كامنا، هو: هذا الشعب وهؤلاء الناس في روحهم وعقلهم طاقة ثورية تحتاج من يستخرجها ويستخرج معنى منها، في الطريق للخلاص.
 
نشر في الغد الأردنية  14 فبراير 2019

الارشيف