يدور الحديث بعد قرار اللجنة المركزية لحركة “فتح” التوصية بتشكيل حكومة جديدة، عن هوية رئيس الوزراء القادم، وهوية الوزراء. وأهم الأسئلة المثارة، ثلاثة؛ هوية الوزراء فصائلياً، وقضايا حياتية في مقدمتها قانون الضمان الاجتماعي، وثالثها، قطاع غزة. والغائب عن النقاش الموقف السياسي من الصراع مع الجانب الإسرائيلي- الأميركي، وهذا غياب مفهوم وربما منطقي، ولا يعني عدم اهمية الحكومة بالنسبة له.
أعلن رسمياً أنّ اللجنة المركزية لحركة “فتح”، برئاسة محمود عباس، شكلت يوم الأحد الفائت، لجنة لبدء مشاورات مع القوى السياسية لتشكيل حكومة جديدة للسلطة الفلسطينية. عقب ذلك وضعت الحكومة نفسها في تصرف الرئيس، إشارة لنوع من الاستقالة. وتتجه النية إلى تشكيل حكومة فصائلية، أي سياسية، وإلى “نزع فتيل ملفات متفجرة” حياتيا أهمها قانون الضمان الاجتماعي الذي صار يعكس حالة فوضى وفشل في التواصل مع الشارع، وفي حشد التأييد للسياسات الرسمية.
سجلت الحكومة الحالية، برئاسة الأكاديمي رامي الحمدالله، على نفسها وبنفسها أخطاء تكنوقراطية بحتة. بمعنى أنها مثلا قبلت، وروجت، لأشهر طويلة أن عدم انتظام رواتب الموظفين في قطاع غزة، أو الأسرى، سببه “أخطاء فنية”. ثم جاء موضوع قانون الضمان الاجتماعي، وقبله احتجاجات المعلمين، لتشكل كلها محطات غير ناجحة، يفترض أن حكومة تكنوقراط، كهذه، جزء مهم منها من الخبراء غير السياسيين والأكاديميين، يستطيعون تجاوزها، ولكنهم اختاروا أن يسجلوا هم على أنفسهم “أخطاء فنية”.
ربما اتضح تدريجيا للفلسطينيين، أن الوزراء السياسيين والمسيسين، والفصائليين، أقدر على التواصل مع الشارع، وعلى تفادي المطبات الشعبية.
تتداول النخب السياسية الفلسطينية أن إعادة تكليف الحمدالله، ممكن، وهذا يعني عدم تغيير حقيقي في التوجهات والسياسات، ويصعب رؤية كيف سيؤدي لحلحلة الملفات العالقة. والأهم أنه لا يعكس تغييرا في التوجه السياسي. وهو ما ينطبق أيضا على أسماء أخرى من داخل وخارج “فتح”، قد يعكس اختيارها أمورا مقلقة، وتفتح المجال مثلا للحديث عن انفصال عن قطاع غزة.
يمكن ان يشكل تآليف حكومة جديدة، خطوة إضافية وحتى تصحيحية، لثلاث خطوات جرت العام الفائت 2018؛ هي انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، وعقد المجلس المركزي الفلسطيني (مرتين)، وحل المجلس التشريعي. وهذه الخطوات الثلاث تعني من جهة إعادة النظر في حالة جمود النظام السياسي الفلسطيني، ولكنها عانت تعثرا، وخللا، بقدر ما حملت من أهمية. وأهم مصادر الخلل عدم القدرة على توحيد جزء كبير من الشارع خلفها، وعدم تفعيل منظمة المجلس الوطني (والمركزي) حقاً، وعدم إدخال شرائح اجتماعية وسياسية أكثر في النظام السياسي، وعلى العكس تماماً قاطعت فصائل رئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية، المجلس المركزي، وبقدر أقل الوطني، وترك حل المجلس التشريعي الجميع في تساؤل: ماذا بعد؟
من شبه المحسوم أنّ فكرة الحل السياسي مع “حماس” على قاعدة المفاوضات للمصالحة التدريجية انتهت تقريبا. وبينما توقفت المفاوضات السياسية المباشرة مع الأميركيين والإسرائيليين، فإن إعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال ما زالت متعثرة.
مجيء حكومة جديدة برئيس يطور برنامجا شعبيا ورسميا مدروسا لفك العلاقة اليومية مع الاحتلال، ودخول فصائل منظمة التحرير للحكومة، يمكن ويجب أن يكون مقدمة لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وبالتالي أيضاً المجلس المركزي، وبالتالي طرح ملفات البرنامج السياسي الوطني.
حكومة جديدة حتى لو يكن لديها دور واضح بشأن المفاوضات والعلاقة السياسية مع الجانب الإسرائيلي، على اعتبار هذا من اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيسها، فإن السياسات الميدانية على الأرض يمكن أن تكون مؤثرة كثيرا بهذا الملف، ويمكن أن تعيد التفاف الشارع حول منظمة التحرير، وحكومتها. وبالتالي وضع خطة عملية واضحة لعلاج موضوع قطاع غزة وأزمته السياسية والحياتية. وتصبح القدرة أكبر على معالجة ونقاش قوانين مثل الضمان الاجتماعي، خصوصاً إذا ما جرى تفعيل الدور البرلماني للمجلس الوطني الفلسطيني، وأجريت انتخابات مجلس تشريعي جديد، أو أقر تأسيس برلمان دولة فلسطين.
تشكيل حكومة جديدة فرصة وآلية سانحة للمضي للأمام، يمكن أن تضيع إذا لم تنفذ بما يضمن إعادة ترتيب الصفوف خصوصا على صعيدين: وحدة منظمة التحرير وتفعيلها، والثاني، إعادة التسييس المدروس للحكومات الذي يزاوج بين السياسة والكفاءة.

الارشيف