تعرفتُ إلى أبي علاء منصور، واسمه الحقيقي محمد يوسف، العام 2012، بعد كتابه الأول “عبور النهر”، التقيته في مكتب قرب دوار ياسر عرفات (دوار الساعة) في رام الله، للحديث عن الكتاب. نادراً ما يجلس في المقاهي، فكثير من المحلات التجارية والمكاتب الرسمية والخاصة تستقبله بترحاب، ولاحقاً تكررت حادثة أن يعطيني موعداً في نقطة ما في الشارع، ثم يختار مكتبا أو محلا تجاريا قريبا لنجلس فيه، عند أصحابه.
عندما حدثت هبّة العام 2015\ 2016 في الضفة الغربية، رغم الحالات الموثقة التي ادّعى فيها الإسرائيليون أنّ شباناً فلسطينيين حاولوا طعن جنود ومستوطنين، وهم لم يفعلوا، فإنّ سؤالاً شغل تفكير منصور، الذي تجاوز الستين عاماً في عمره، “ما الذي يجعل شاباً عمره نحو العشرين يفعل ذلك”؟، وكانت إحدى طرق محاولات إجابة السؤال، أن يتذكر لماذا فعل هو ذلك، العام 1973؟ ويقول ما أتذكره فقط أني كنت أريد تحرير فلسطين.
وأنا أقرأ كتابه الجديد “رحلة لم تكتمل، محطات على طريق المقاومة”، الذي صدر مؤخراً، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنتبه إلى أمرين فيما يفعله أبو علاء في السنوات الأخيرة.
بتنا أصدقاء، وجزء من مقالاتي التي تعتمد على لقاء الناس له فضل فيه، ولكني أنتبه أنّ رحلاتنا كانت تتضمن أيضاً أموراً لا علاقة لها بالحدث اليومي. فمرّة صحبني ليريني مسار الصخور في منطقة قرب رام الله، ألوانها وكيف يتخللها الماء، وكيف يتناثر زهر اللوز فوقها. وعند زيارة منطقة مار سابا المُحرّم على النساء، قرب بيت لحم، تحدثنا كثيرا عن الكهنوت والدين وفكرته. وتناولنا الإفطار من خيرات أرضه في بلعين التي تبرع بها لشباب يريدون القيام بزراعة عضوية تتحدى المستوطنات.
ما يؤرق أبا علاء ليس طبيعة ما يحدث مع الشبان هذه الأيام فقط، بل هو يحاول فهم كل تفاصيل التجربة، وفي مقدمتها تجربته هو شخصياً. ومن هنا فإن جزءا من جولاته ولقاءاته بعد عودته للوطن، تهدف إلى جمع تفاصيل ما كان يحدث ويعرف بعضه فقط. واهتم كثيراً بالتفاصيل الإنسانية لما حدث. عن حياة المناضلين، عمّا حلّ بأُسَرِهم بعد الاستشهاد، عن تفاصيل حياة الأسر، عن ماذا يحلم الأسرى، أثناء الأسر وبعده، تماماً كما أن رحلاته في الطبيعة والتاريخ، تهدف لمعرفة هذا الوطن أكثر، ومعرفة كيف تكونت شخصية أهله، ووضع هذا في كتابه.
الأمر الثاني، الذي لاحظته أنّ أبا علاء يطبق نظرية الماء، التي علمته إياها والدته الفلاحة. قالت له، كن كالماء، فالماء مهما اعترضت طريقه عوائق وصخور، قادر أن يلتف حولها، ويصعد فوقها، ويكمل طريقه، وأحياناً يصبح قوياً فيتفتت الصخر. فكما يوضح الكتاب، فإن أبا علاء بعد عودته من العراق حيث درس هناك، وعاد ليعمل مدرس رياضيات مطلع السبعينيات، وجد نفسه وحيداً بدون صلة تنظيمية مع أحد في “فتح” التي انتمى إليها في العراق، فأسس خلية فدائية بلا مرجعية تنظيمية وقاموا بعملية فدائية شهيرة. ثم هرب عبر النهر في رحلة معقدة، للأردن عام 1974، ثم تنقل في ساحات عديدة، في سورية ولبنان وتونس، مساهماً في قيادة العمل الفدائي داخل فلسطين، ثم الانتفاضة. وعندما أُبرمت أوسلو صار مديراً عاماً لوزارة الداخلية، وما أن حدثت انتفاضة الأقصى، حتى كان كالماء يواصل الطريق فصار مطارداً. وأفلت من الاغتيال بصاروخ، بعد أن قرر فجأة عدم الدخول للمبنى وفجّر الصاروخ مكتبه، وأفلت من الاعتقال بموجب تسويات نهاية الانتفاضة. وبعد هذا أكمل طريقه كالماء في دعم شبان المقاومة المدنية في بلعين. يوثق الجزءان الأول والثاني من الكتاب، تجربة العمل من الخارج، ثم العودة للداخل وانتفاضة الأقصى.
في الجزء الثالث، من الكتاب يختلف موقع أبي علاء، حيث تقاعد، ولذلك عندما حدثت هبة 2015\ 2016، تابعها كمشاهد وباحث ميداني، يلتقي الناس ويحادثهم، ويقرأ الصحف والإعلام، ويحلل ويوثق.
في أول جزأين من الكتاب، كأنّ أبا علاء هو الماء يواصل المسير، وفي الجزء الثالث، كأن الشعب هو الماء الذي يتابع الطريق.
 
 

الارشيف