لم تكد رام الله والفلسطينيون يستفيقون من اجتياحات الجيش الاسرائيلي المتكررة للمدينة دون مقاومة تذكر، بداية هذا العام، ودون رد فعل سياسي يذكر، حتى انشغل الشارع الفلسطيني، بتصريحات للوزير الفلسطيني حسين الأعرج، في محاضرة أو مناسبة عامة، تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقول فيها إنّ الذي يقود الحراك ضد الضمان الاجتماعي يسكن في مستوطنة كريات أربع الاسرائيلية، ما اعتبره الشارع اتهاماً بالجاسوسية لمن يعارض سياسة الحكومة بشأن الضمان. الواقع انّ هناك جزءا من تصريحات الوزير، بالغة الأهمية لم يلتفت لها أحد تقريبا، فالوزير قال إنّ “الأمن والأمان الموجودين هنا لانجدهما في المنطقة، الاستقرار السياسي والاقتصادي، غير موجود سوى عندكم، وهذه بركات أكناف بيت المقدس والرباط، هذه منة من الله”.
تصريحات الوزير الفلسطيني، ليست الأولى من نوعها، وقالها مسؤولون أمنيون فلسطينيون، يعتقدون أنّ هناك مستوى أمنيا متميزا في مناطق السلطة الفلسطينية. والسؤال الأول، ماذا يقصد هؤلاء المسؤولون؟ بمعنى ما هو مفهوم الأمن بتعريفهم؟ والسؤال ليس عبثياً، لأنه ربما يكشف طريقة تفكير تحكم العمل السياسي الفلسطيني، ويكشف جزءا من مزاج الشارع أيضاً غير المكترث بمثل هذه التصريحات.
هل يعتبر الدخول الاحتلالي المتكرر والاعتداءات خارج تعريف الأمن؟ وهل البؤر الكبيرة الخارجة عن القانون، سواء قانون السير أو نشاطات إجرامية، كالمخدرات وغيرها، في مناطق غلاف القدس، ومناطق مختلفة، خارج تعريف الأمن؟ وهل يمكن أصلا الحديث عن أمان تحت الاحتلال، حيث السلطة الفلسطينية تكاد لا يسمح لها بالعمل تماما سوى في جزء يسير من أراضي العام 1967؟ هذا ناهيك عن أن قطاع غزة بالكامل ليس تحت سلطة السلطة الفلسطينية، وكذلك القدس، وبالتالي يصبح السؤال ما هو الاستقرار السياسي والاقتصادي. وما الذي يفكر به من يؤمن بهذه المقولات؟
بالنسبة للحراك الخاص بالضمان الاجتماعي الفلسطيني، فإذا كان محور التساؤلات الشعبية الرافضة أنه كيف سيكون هناك ضمان في الوضع السياسي الحالي، فإنّ النقاش يصبح صعباً، وربما عبثياً، إذا كانت الحكومة الفلسطينية تعتقد أن الوضع الحالي مثالي من حيث الاستقرار السياسي والاقتصادي.
ردة الفعل على تصريحات الوزير، مثال مهم على مزاج وواقع الشارع؛ حيث تثير القضايا الشخصية والجهوية والمعيشية الغضب، ولا أحد يتوقف عند الموضوعات السياسية والأمنية، مثل الحديث عن الأمن والأمان غير المسبوقين. عدم التوقف عند السياسات الرسمية لا يعني أبداً عدم الاهتمام بالشأن السياسي، أو بالصراع والمقاومة، ففي السنوات الأخيرة، حدثت في أكثر من مناسبة موجات مقاومة فلسطينية، وعمليات مواجهة رئيسية مع الاحتلال، بعيداً عن الفصائل والسلطة الفلسطينية. وحتى عندما كانت الفصائل تدعو لتظاهرات وتحركات مقاومة أو رفض سياسي للسياسات الإسرائيلية كانت غالباً تلقى تجاوبا ومشاركة أقل مما تلقاه دعوات شباب، لا مرجعية سياسية تنظيمية لهم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من المعروف في علم إدارة الصراعات أن صانع القرار قد يصنع أزمة خارجية لتنفيس احتقان داخلي. بمعنى أنه لو خرج خمسة آلاف عنصر مدني في تظاهرة سلمية بوجه العربات الاسرائيلية التي اجتاحت رام الله، بتحريك من القيادة الفلسطينية، كانت ستتحول الأنظار. ولكن ما حدث العكس؛ هناك من يحاول اعتبار من يحتج على قضايا حياتية، مدفوعا من جهات معادية.
عندما اجتمع المجلس المركزي في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، خرج أثناء الانعقاد، تظاهرات على بعد مئات الأمتار من الاجتماع، ولكن سبب خروجهم هو الضمان الاجتماعي، ولا أحد يكترث بالاجتماع. على العكس، في الماضي، كانت المظاهرات تخرج والشهداء يسقطون بالتوازي مع اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني قد ينعقد في عاصمة ما في الشتات. مثل هذا المشهد خطير؛ يعني أن اللغة السياسية المشتركة بين الشعبي، والرسمي والقيادي، مفقودة، تأييداً ومعارضةً وأن القضايا المعيشية والحياتية هي نقطة الاهتمام المشترك، أما الموضوع السياسي فكل يفكر به بطريقته.
سياسياً، من الخطر جداً ألا يكون هناك خطاب سياسي يثير اهتمام الشارع، سواء مؤيداً أو معارضاً، فهذا يعني حالة فراغ أو يأس قد تترجم بردات فعل وهبات مفاجئة في اتجاهات غير معروفة.

الارشيف