يستكمل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطوات سلفه باراك أوباما، بأن يترك الأزمات والكوارث والتحولات تجري في العالم دون تدخل. بل إن ترامب تخطى أوباما كثيرا، فهو يعلن تدريجيا صراحة أنه لا يهتم بانتهاكات حقوق الإنسان، إذا قام بها حلفاؤه، ولكن يواجهها (يستخدمها) إذا قام بها خصومه. وهو غير معني بالإصلاح أو الحرية والديمقراطية، التي كان نظام جورج بوش الابن، (2001 – 2009)، وفريقه من المحافظين الجدد، يشنون الحروب باسمها.
يقول مستشار الأمن القومي، وزير الخارجية الأميركي، السابق، والمفكر الواقعي، هنري كيسنجر، في كتابه “النظام العالمي” الصادر العام 2014، إن الولايات المتحدة الأميركية، تخلت عن فكرة أن قيمها الأميركية يجب أن تنتشر عالميا لتكون أساسا لنظام عالمي مسالم. وذلك بعد ما عانته في ثلاث حروب خلال عقدين (أفغانستان والعراق). ويشير أيضا لتكلفة لعب دور شرطي العالم، وضرورة إسهام أطراف أخرى في تحمل التكلفة (أحد النتائج مثلا أن التمويل الأجنبي لنشر الديمقراطية تراجع). ورغم أن كيسنجر يخصص في كتابه فصلا كاملا لدور التكنولوجيا، وخصوصا الإنترنت والعالم الافتراضي في النظام الدولي الجديد، إلا أنه لا يتوقف مباشرة عند مسألة أثر هذه التكنولوجيا في فشل الأمركة والهيمنة الثقافية، وإن ناقش صعوبة استخدام الدول للعالم الافتراضي.
حتى المحافظين الجدد، وهم فريق من السياسيين والمفكرين، الذين كانوا يريدون، خصوصا في زمن بوش الابن، تغيير حتى الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة، لتكون أكثر انسجاما مع قيم الحياة الأميركية، اللبرالية، كما يرونها. وكانوا يتدخلون في كل شيء من حقوق المرأة، وملابسها، وقيادتها السيارة، إلى حقوق المثليين جنسيا، إلى التعليم، وتحرير السوق، إلى الانتخابات والديمقراطية، لم يحتجوا حقا على عدم تدخلية أوباما في العالم، بما في ذلك عدم حمايته الأنظمة الحليفة من ثورات شعوبها. لقد كان هناك ما يعرف بالغرب باسم الحروب الصليبية لنشر اللبرالية، والصليبية، هنا بمعنى الحروب القائمة على المبادئ والأفكار والحماسة حتى الجهاد. وتراجع كل هذا.
من أسباب تراجعه أيضا، عدا فشل ترويجه بالقوة والضغط، وعدا سياسات الحماية والانغلاق التي يتبناها ترامب، أن القدرة على التحكم بوسائل التحكم بالرأي العام، والثقافة، تراجعت، لأن هذه الوسائل صارت متاحة للغاية، بفضل العولمة والرأسمالية اللتين أنتجتهما الولايات المتحدة نفسها. فلقد كان الإعلام الجماهيري، القائم على وسائل اتصال محدودة العدد (قنوات تلفزيون وصحف، مع الجامعات) وسائل لتكوين العقول. والآن أصبح هناك تشظ لا يمكن حتى متابعته.
الإنترنت مفتوح لأي كان لنشر ما يريد تقريبا؛ فصار تقسيم الإنتاج وتصغيره حتميا. حتى الإنتاج الإعلامي والسينمائي الكبير الرأسمالي، اختلف. نادرا ما يحاول منتجو السينما الآن عمل أفلام تستهدف قاعات سينما فيها مئات المتفرجين. الآن يجب أن يصيغوا أفلامهم في صالات عرض فيها 4 – 5 متفرجين، بالاعتماد على أن الفيلم سيباع على الانترنت، وعلى قرص مدمج، وسيعرض في قنوات تلفزيونية صغيرة، أو عبر الاشتراكات.
بل ان ركاب طائرة كانوا في الماضي، فيشاهدون جميعا المادة ذاتها عبر شاشات مشتركة، ويدخلون بالتالي في جو وأفكار موحدة، انتقلوا إلى شاشات خاصة بكل مقعد، بعدد كبير من الخيارات، ثم صار جزء منهم يحمل لوحه الرقمي أو هاتفه محملا بالمواد التي يريديها. صارت شبكات التلفزة والسينما، مثل “نتفلكس” تسمح للمشترك، بل لكل فرد في عائلة المشترك، أن يدخل معلومات عن تفضيلاته ورغباته، ليرشحوا له مواد خاصة به. هذا يعني أن آلية تشكيل العقل الجمعي، وإذابة الفروقات والهويات، أصبحت أصعب. الآن هناك شباب وأطفال لديهم قنوات على “اليوتيوب” و”انستغرام” وغيرها، يصنعون فيها المحتوى.
من المتفق عليه بين علماء العلاقات الدولية، أن مزيج القوة للدول أضيف له عدا المكونات التقليدية، من جغرافيا، وسكان، وسلاح، واقتصاد، وإدارة سياسية، الانترنت وشبكة المعلومات بطريقة من نتائجها، تراجع دور الدول ذاتها، وحتى الشركات الكبرى المختصة في صناعة العقول.
دور الانترنت في العلاقات الدولية، مازال تحت الدراسة، وتراجع خطاب الدول والشركات الكبرى، وتراجع خطاب الديمقراطية الأميركية، لا يعني أن البديل أفضل، ولا يعني أن الدول لم تبدأ خططا لاحتواء الموقف، ولكن هناك واقعا جديدا يمكن استثماره من جهات كثيرة.

 

 
 

الارشيف