"الصفقة" الأميركية استنساخ منقوص من خطة جون كيري

في يوم 26 آيار (مايو) 2013، تحدث جون كيري، وزير الخارجية الأميركية، حينها، بحماسة شديدة في المنتدى الاقتصادي العالمي، في البحر الميت من الجهة الأردنية، عن الحياة الأفضل التي ستقدم للفلسطينيين عبر خطة استثمارية أعدها مجموعة من أصدقائه من رجال الأعمال الأميركيين، والإسرائيليين، والفلسطينيين، وتحدث عن أربعة مليارات دولار، سترصد لهذا الغرض. لم يتمخض عن تلك الخطة شيئاً. والتدقيق فيما يعده فريق "التسوية" الأميركية الحالي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو ما يسميه الإعلام العربي صفقة القرن، لا يعدو أنه نسخة ناقصة مما طرحه كيري يومها، ويتوقع أن يطرح الأميركيون الخطة الشهر المقبل.

في ذلك الاجتماع، أشار كيري لأسماء رجال أعمال أميركيون وإسرائيليون وفلسطينيون قال إنهم عملوا على حفز لثلاثمائة رجل أعمال ومجتمع مدني، ليعملوا معاً، وأن الخطة ستؤدي لخفض البطالة بين الفلسطينيين، بمقدار الثلثين، متوقعاً زيادة الدخل القومي الفلسطيني، بمقدار 50 بالمئة خلال ثلاث سنوات.

يختلف كيري بشكل أساسي، عما يجري الآن، أنّه شدد، بغض النظر عن مصداقية ما قاله، على أن الاقتصاد لا يلغي الحاجة لحل سياسي. هذا تغير بقدوم إدارة ترامب، ويجري الترويج علناً أنّ الاقتصاد له الأولوية، والحل السياسي، أقل إلحاحاً.

مثلا يقول جاريد كوشنير، مبعوث الرئيس الأميركي للعملية السلمية، في مقابلة صحافية، "الشعب الفلسطيني أقل اكتراثا في الحوار بين السياسيين، وأكثر اهتماما ليرى كيف ستوفر هذه الصفقة له وللاجيال المستقبلية ًفرصا جديدة، والمزيد من الوظائف ذات الأجور الأفضل وآفاق الوصول الى حياة أفضل."  

بدوره كتب ممثل الرئيس الأميركي لشؤون المفاوضات الدولية، جيسون غرينبلات، مقالاً، في 1 كانون أول (ديسمبر) 2018، في صحيفة The National،  يتهم فيه القيادة الفلسطينية، أنها تريد "منع الفلسطينيين أن يرتاحوا اقتصادياً جداً، لئلا يفقدوا اهتمامهم بالقضية الفلسطينية". ويقول إنّ الفلسطينين "بحاجة لمساعدة اقتصادية سواء تم التوصل لاتفاق أم لا".

يريد وضعا مفتوحا، على الحل أو عدم الحل، ولكن في الحالتين يريد الفلسطينيين جزءا من العجلة الاقتصادية الإسرائيلية، ليس كشريك، أو قائد محتمل، بل كموظفين وعمّال. ويركز كثيراً على قطاع  التكنولوجيا. ويوضّح غرينبلات أنه أشرف على برنامج شارك فيه رجال أعمال أميركيون، وإسرائيليون، وفلسطينيون، بهدف تأمين مئات فرص العمل، عبر تأسيس برامج تدريبية لطلاب السنة الرابعة في تخصصات التكنولوجيا من الفلسطينيين، وقال إنّ "رجال الأعمال والفلسطينيين العاديين أحبوا الفكرة". وبزعمه فإنّ "فلسطينيين موهوبين متاحون وتوّاقون للعمل مع مستثمرين إسرائيليين، وربما مستثمرين وشركات خليجية". ويقول إنّ نتيحة رفض القيادة الفلسطينية للمشروع، أنّ "الفرص للفلسطينيين العاديين ضاعت (..). وأعطى قطاع الأعمال الإسرائيلي، الوظائف لمواهب في أماكن أخرى". 

ما يطرحه غرينبلات، هو جعل الحل سياسي في عالم الغيب، خاضع للمفاوضات، وليس مطروحا أن يحصل الفلسطينيون على استقلال اقتصادي واستثماري، ونمو اقتصادي، إلا عن طريق فرص عمل يشتغلون فيها عند الإسرائيليين. يقول "إنّ 136 ألف فلسطيني يَسرون للعمل في إسرائيل كل يوم (...). ولكن هؤلاء عُمّال. كم الذين يمكنهم العمل في مايكروسوفت، وغوغل وفي شركات التكنولوجيا الإسرائيلية الآن وفورا؟".

جزء من هذا المشروع إقامة "مركز تجاري وصناعي" في مستوطنة إسرائيلية في الخليل. وأوضح وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون، أنّ الخطة جزء من مشروع هدفه تقوية الاقتصاد الإسرائيلي والمساهمة في الأمن الإسرائيلي". وأنّ المشروع سيكون "مجمعا حديثا، صناعيا وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة hi-tech، ومكانا للتدريب، والتجارة والسياحة". وسيشتغل فيه 15 ألفا بحلول عام 2020. وأنّ هذا "نموذج من مشروع السلام الأميركي المتوقع طرحه".

في مؤتمر في تل أبيب، مطلع تموز (يوليو) 2018، قال مدير شركة تكنولوجيا إسرائيلية كبرى "بإمكانك تعين ثلاثة مهندسين فلسطينيين (من نابلس أو رام الله أو الخليل) بأجر مهندس إسرائيلي واحد".  

ليس هناك حديث أميركي حقيقي أو مفصل، عن عملية سلام، أو دولة فلسطينية، أو استقلال، بل فرص عمل وبضائع. غالبا ستطرح هذه الخطة تحت اسم "حياة أفضل" في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 22- 25 كانون ثاني (يناير) 2019، وستجري حملة ضد القيادة الفلسطينية باعتبارها تعرقل مصالح شعبها.

نُشر في الغد الأردنية، 18 ديسمبر 2018

الارشيف