حلويات وكفاح مسلح ودبلوماسية

 
 نشرَ موقع صحيفة يديعوت أحرنوت الالكتروني، الإسرائيلي، تقريراً عن غضب المستوطنين من سكان منطقة يسميها الإسرائيليون "سديروت"، القريبة من قطاع غزة، حد "الجنون"، والتظاهُر ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد رؤيتهم صور أهالي قطاع غزة يوزعون الحلويات احتفالا بنتائج المواجهة العسكرية الأخيرة.
لم أستطع تكملة التقرير لانشغال ما، وبعد ساعتين، كان هناك تقرير آخر في ذات المكان، يَتحدّث عن تصريحات حاخام (رجل دين يهودي) أميركي يقول إنّ اتصالاته مع دول عربية، تجعله يتوقع بِدء ست دول عربية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في العام 2019. 
لعل هذين "الخبرين" يعكسان مشهداً جديداً في "الصراع" العربي الإسرائيلي؛ من مكوناته، تراجع فعالية السلاح العسكري الإسرائيلي، وتَقدُّم الأدوات الدبلوماسية الصهيونية، والتوقف شبه الكامل للكفاح المسلح الفلسطيني، مع الانتقال إلى الرّدع المُسلَح، ووصول العامل الذاتي الفلسطيني في الفِعل، إلى أسوأ مستوياته. 
يمكن الكتابة عن مكونات المشهد الفلسطيني – الإسرائيلي الحالي، بعناوين فرعية محددة هي، الكفاح المسلح، والدبلوماسية، والمقاومة الشعبية. 
الكفاح المسلح: منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، على قطاع غزة نحو العام 2006/ 2007، بدأت فكرة الكفاح المسلح العنيف تتراجع، وانتهت الآن تقريباً (بعد إيقافها من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية قبل ذلك). ففي البداية جرى الحديث عن تحييد قطاع غزة، وضرورة حصر المقاومة المسلحة بالضفة الغربية المحتلة. كما قال، على سبيل المثال، القيادي في "حماس"، محمود الزهار، العام 2010، "نريد غزة هادئة لأننا فعلا حررناها (...) والمطلوب الآن تحرير الضفة". ولكن السياسة الاسرائيلية حولت غزة لرهينة، فما أن تجري عملية في الضفة من قبل عناصر "حماس" حتى يجري الانتقام في غزة.
النتيجة توقف العمل المسلح إلا بمبادرات شبابية فردية (حتى إن انتمى هؤلاء لفصائل)، ولكن لا يوجد "برنامج" كفاح مسلح. وهذا له نتائج متباينة، كما سيلي توضيحه في أسطر تالية. 
الدبلوماسية: دون التسليم بالدعاية الإسرائيلية، بشأن اختراقاتها العربية، فهناك الكثير من المبالغة، ولكن لا يمكن تجاهل التحول في السياسات والخطاب العربيين، فحتى على صعيد الأمم المتحدة، هناك شبه صمت عربي في الشأن الفلسطيني، من عدد كبير من الدول العربية، وهناك أزمات داخلية، وبينية، عدة، وهناك أولويات جديدة برزت في السنوات الفائتة، أهمها إيران ومنع "الربيع العربي".
وتشعر إسرائيل بحصانة إضافية مقارنة بالماضي، قوامها ثلاثة مصادر، هي الدعم غير المسبوق في درجته من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفريق "المستوطنين الإسرائيليين – الأميركيين" في هذه الإدارة. الثاني، انشغال العرب وأولوياتهم المختلفة لدرجة تعاون دول عربية مع جماعات ضغط ومراكز تفكير صهيونية في الولايات المتحدة الأميركية. الثالث،الانقسام الفلسطيني وتراجع مبادرات المقاومة.
المقاومة والدبلوماسية الشعبيتان: كان القائد الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني (1940 – 2001)، يقول إنّه يمكن هزيمة إسرائيل، كما يمكن هزيمة بطل العالم بالملاكمة في الوزن الثقيل. وكان يوضح أنّه إذا لاعبتَ بطل الملاكمة الشطرنج، فإنّ فرص هزيمته أكثر. وأن مواجهة إسرائيل عسكرياً قد يكون أحياناً كمحاولة شخص عادي هزيمة بطل العالم بالملاكمة. وبالتالي فإنّ الموقف سالف الذكر من الكفاح المسلح، كان يجدر أن يفسح المجال للتركيز على مواجهة إسرائيل دبلوماسيا وعبر المقاومة الشعبية، والدبلوماسية الشعبية (الموجهة لشعوب العالم).
ولكن المقاومة الشعبية ناجحة بالجانب السلبي منها (أي الصمود والبقاء)، أما الجانب الإيجابي (الصمود المقاوم)، فلم يفعّل بعد كاستراتيجية وطنية شاملة؛ فمسيرات العودة في قطاع غزة، على أهميتها وظّفت أساساً لكسر الحصار، على القطاع، ومقاومة مثل صمود "الخان الأحمر" في الضفة الغربية لم تتحول إلى حالة شعبية متسعة ومتفاعلة، في كل المناطق.
ولا يوجد برنامج فلسطيني رسمي لتبني حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، فعلا. وما يقلل احتمالات تجاوب دولي رسمي أو شعبي، بتقليص العلاقة أو الضغط على إسرائيل، هو الحديث عن إمكانية تطور علاقات عربية إسرائيلية، ناهيك عن غياب ضغط عربي بهذا الاتجاه. 
الوضع التقليدي أن القوة العسكرية هي سبب التفوق الأساسي الإسرائيلي ولكن لا يبدو المشهد الآن كذلك. والتقليدي أيضاً، أن الدبلوماسية والسياسة مجالان تعتبر إسرائيل فيهما أضعف منها عسكرياً، خصوصاً في السياق العربي، ولكن أيضاً لا يبدو المشهد كذلك الآن.
نُشر في الغد الأردنية، الثلاثاء 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2018

الارشيف