الجعبري.. جديلة حاجز وفينيق‏

 

كانت ارتعاشة فرح وأمل تسري في أوصال الضفة الغربية.. انقلب الفرح إلى غصة في القلب، عندما وصل نبأ غزة، انتفضت الأرواح، وارتجفت الأقدام، قبل الوقوف مجدداً.. حامت في الأجواء روح يحيى عيّاش، ورائد الكرمي..

سارع طلبة الجامعة من قلقيلية والخليل إلى مدنهم وقراهم بعد انتهاء محاضراتهم في بيرزيت، بل وقبل انتهائها، تحسبا لانقطاع الطرق، عادت إلى الذاكرة أيّام المواجهات.. بدت مواجهات أمس؛ عطارة وترمسعيا وأريحا.. بغضّ النظر عن الدعوة وأصل الفكرة، جعلت الأرض تبدو كما لو كانت "مشبعة" بروح سريعة الاشتعال، بمجرد الدعوة إلى مواجهة المستوطنين.. الدعوة التي قام بتعميمها الشباب، بنصّها التالي: "إعلان هام للمستوطنين، نعلمكم أن شباب (شبيبة) فلسطين قرروا أن يفرضوا منعا للتجول عليكم غدا، من يخترق منع التجول سيندم".

بدا الأمر كالحلم.. كيف حصل أن خرج الناس إلى الطرق الالتفافية، والعابرة للمدن، المخصصة للمستوطنين.. لا يمكن التخلص من الظن والشك دفعة واحدة!.. كيف وصلوا حاجز عطارة، مقتربين من مستوطنة عطروت! واقتربوا من "حلميش"! الملتفة كأفعى.؟! الاستجابة أهم من الدعوة.. سرعان ما كان الشباب يخرجون من المدن والقرى، معلنين للمستوطنين: نحن هنا!.. كلما كانت هناك مراهنة على نهاية روح المقاومة تبيّن أن الرهان خاطئ.. وأن فلسطين "فينيق"..

ثم جاء الخبر: "استشهاد أحمد الجعبري.. القائد الحمساوي".. رمز كتائب القسّام!.

الجعبري.. صاحب الاسم الخليلي.. وإن كانت غزيّة عائلته قديمة.. كلهجته إذ يخاطب، ويمسح دمعة حفيدته بنت الشهيد... قائلا: "إيش يا سيد؟"!

حضر يحيى عيّاش مهندس الكتائب الأول.. حضرت قريته "رافات"... جنوب غرب نابلس.. عير بعيد عن البحر الأبيض المتوسط.. حضر زيتون "رافات" وتينها وعنبها.. حضر يحيى الذي يصبح مهندساً.. تهزه مجزرة الخليل... ومكافأة الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين القتلة.. فيرسل الاستشهاديين.. ثم يلجأ إلى غزة.. ويبدأ بالتهدئة والتفكير بموجة أخرى من اشكال المقاومة.. فيغتالونه...1996.

حضر رائد الكرمي.. الشاب ابن طولكرم.. الذي أصابته رصاصات في صدره ويده وهو في الثامنة عشرة.. بدأت عائلته تجهيز بيت العزاء.. عندما قامت "القيامة" وانتفض، فاختطفه الجنود وصلبوه ثلاثة أسابيع وسجنوه سنوات.. ليتخرج من المعتقل ويعلن مع ابن الخليل، مروان زلوم، العائد من ميادين الثورة في بيروت والشتات، ومع القائد جهاد العمارين في غزة، "قيامة" كتائب شهداء الأقصى... رأى الكرمي طفلة تبكي أباها الشهيد، فمضي لمطاردة القتلة، فاكتسب اسم "الرد السريع".. كان يذرف الدمع حين يعلن للشهداء أّنّه سيرد خلال 24 ساعة.. كانت التهدئة أيضا قد أُعلنت رسميّا في انتفاضة الأقصى عندما قرر الإسرائيليون قتل صقر الكتائب.. 2002   

عياش ابن "رافات" في غزة... رائد ابن "طولكرم"... الجعبري الذي اعتقل ثلاثة عشر عاما بدأها مناضلا في فتح.. ثم أصبح مؤسسا وقائداً في "القسّام".. والرجل القوي في غزة، بجذوره الخليلية، فينيق البحر "أحمد ياسين".. أبناء ياسر عرفات الذين فرضوا حظر التجول على المستوطنين، على حاجز عطارة وترمسعيا.. هم جديلة الواقع الفلسطيني..

الجعبري.. أسطورة إبقاء الأسير جلعاد شاليط بعيدا عن متناول يد الإسرائيليين.. الجعبري أنشأ قوة صاروخية صنعت معادلة جديدة.. قادرة على صناعة الرد على اغتياله.

الرد على الاغتيال.. وعلى الإصرار الإسرائيلي على لغة الدم والبارود، يبدأ بإعادة الجديلة الفلسطينية إلى بهائها.. وحدة وطنية وإنهاء للانقسام.. الجعبري في غزة بكته عيون في حيفا ويافا ورافات وجنين ونابلس والقدس والخليل، حتى من اختلفوا معه..

الرد بهو إلغاء التهدئة من القاموس.. دون الانجرار إلى المربع والأدوات التي تريدها إسرائيل.. الذهاب إلى مفارق الطرق مع المستوطنين، وفرض حظر تجول حقيقي عليهم رد، المقاطعة الحقيقية للبضائع الإسرائيلية رد.

عدم الالتفات للتهديدات الأميركية الإسرائيلية بعقوبات، ردا على الحراك الدبلوماسي رد.. والتوصل إلى استراتيجية وطنية شاملة للمقاومة رد.. مجلس وطني جديد فيه حماس والجهاد رد.

دعوة اسماعيل هنية لقمة عربية في مكانها.. وواجب الفلسطينيين أن يذكروا العرب دائما بقضيتهم.. وإذا ما توحّد الفلسطينيون وكانوا يدا واحدة.. جديلة واحدة.. سيكون بإمكانهم أن يفرضوا بالفعل قمة عربية.. وتحركا عربيا شعبيا ورسميا.. وأن ينتفضوا معا... هذا الرد الموجع حقا...  

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 16/11/2012

الارشيف