غزة.. ترجمة الإنجاز العسكري إلى انتصار‏

 

أحدثت "حماس" مفاجأة عسكرية في حرب غزة الراهنة مع إسرائيل، متمثلة بالمدى الذي تصله ترسانتها الصاروخية، وبما الصواريخ فرض إيقاع الحياة اليومية لكل الإسرائيليين تقريبا، كان أمرا جديدا. وهذا أثبت وجود معادلة عسكرية جديدة، حددت أهدافا وواقعا جديدا للحرب.

سيصبح هدف إسرائيل التخلص من هذه الترسانة، ومنع تطورها، بينما يصبح هدف "حماس" الحفاظ على المعادلة الجديدة، وتطويرها، وترجمتها إلى إنجاز سياسي.

لمسار الحرب الآن ثلاثة سيناريوهات أساسية؛ أولها، التوصل إلى تهدئة شبيهة بما كان عليه الأمر في الماضي، وهذا سيعطي كل طرف فرصة زعم تحقيق الانتصار، وسيصبح لزاما الانتظار لرؤية سلوك كل طرف بعد الحرب، فإذا امتنعت إسرائيل عن مهاجمة غزة لاحقا، تكون المقاومة قد ترجمت استراتيجيا إنجازها العسكري، في الحرب، أمّا امتناع المقاومة عن عمليات جديدة من أي نوع، ودون فك حقيقي للحصار، فهو يعني انتصارا إسرائيليا، وتشجيعا على تجديد سياسات الاغتيال والعدوان. ولكن "تهدئة" تقليدية، كما في الماضي، تعني بداية عدم ترجمة الإنجاز العسكري لحركة "حماس" إلى إنجاز سياسي، وأنّ جولات قادمة للحرب متوقعة، وتعلن "حماس" وبدعم مصري، رفض هذا السيناريو.

السيناريو الثاني، وهو الأسوأ، أن تتواصل العمليات وتتمكن إسرائيل من تدمير الترسانة الفلسطينية أو فرض تفكيكها، دون مقابل حقيقي سوى وقف الهجوم الإسرائيلي الحالي. وهذا السيناريو صعب، ويتطلب حربا طويلة وقاسية للغاية.

السيناريو الثالث، الذي تجري المفاوضات عليه، ولا تستبعد مصادر "حماس" توقيعه في أي لحظة، يعني على الأغلب انتصار المقاومة، ويأخذ شكل هدنة رسمية، فالاتفاقيات السابقة للهدنة غير رسمية، وضمنية، وشفوية، أو سرية، أمّا إذا تم التوصل إلى اتفاقية فعلية معلنة فهذا يعني ترجمة الإنجاز العسكري سياسيا. ويمكن أن تكون الهدنة نسخة من اتفاق حزب الله مع إسرائيل، عام 1996، عقب عملية عناقيد الغضب، بحيث يتضمن أسس المواجهة. والواقع أنّه من المستبعد أن توافق إسرائيل على شروط شبيهة، حيث كانت الهدنة أيامها قائمة على تجنيب المدنيين من الطرفين، الحرب والمواجهات، ما عنى أنّ حزب الله، يمكن أن يستمر في عملياته ضد الأهداف العسكرية، أي أنّ العملية التي قامت بها المقاومة عشية الحرب الحالية، ضد جيب إسرائيلي، ليست إخلالا بالهدنة. ولكن في حالة الحرب الراهنة، فإنّ التوصل لاتفاق وقف إطلاق شامل، تتعهد فيه إسرائيل بعدم العدوان مقابل تعهد "حماس" وقف عملياتها، سيحقق الهدنة (التهدئة) التي تسعى إليها "حماس" منذ سنوات، وسيُعدّ انتصارا سياسيا هاماً. يعترض سبيل هذه الاتفاقية مشكلات ومعضلات عديدة؛ أهمها أنّ إسرائيل ستشترط تفكيك الترسانة الحمساوية، وستطلب ضمانة مصرية بعدم تطويرها مجدداً. في المقابل تريد "حماس" ضمانات، وتريد كفيلا لالتزام إسرائيل، وكما قال مسؤول الشؤون الدولية في "حماس" أسامة حمدان: "ربما" يكون مطلوبا ضمانات أميركية لأي اتفاق"، وهذا أيضا يزيد أمد المفاوضات، وفي حالة الوصول لمثل هذا الاتفاق، (كما حدث في حالة عناقيد الغضب)، ستدخل القضية الفلسطينية، بطبيعة الحال، مرحلة جديدة، فيها الكثير من الفرص والأخطار.

سلاح الصواريخ الفلسطيني، هو جوهر العمل العسكري الحالي، من قطاع غزة، وهو سلاح دفاعي، يهدف للردع، وحفظ الكينونة الفلسطينية في القطاع، وحتى أشد المتحمسين في قيادة "حماس" لا يعتقد أنّ الأداة العسكرية في هذه المرحلة قادرة على تحرير فلسطين التاريخية.

تضع مصر ثقلها الآن للتوصل لاتفاق هدنة جديد، وسيكون إنجازا حقيقيا للنظام الجديد، أن تكون اتفاقية الهدنة المقبلة رسمية وحقيقية، وتتضمن التزامات إسرائيلية علنية، ومثل هذا الإنجاز يعتبر نجاحا في ظل الواقعية السياسية، دون أن يقلل هذا من أنّ تحول "الإخوان المسلمين" إلى جهة تسعى للتوصل إلى هدنة وتهدئة مع إسرائيل (يشكرهم الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس على جهدهم بشأنها)، هو تغير أيديولوجي وسياسي عميق.

إذا استمرت الحرب طويلا، فإنها مفتوحة على احتمالات عديدة، والتوقف وفق هدنة تقليدية مشكلة حقيقية، أما التوصل إلى هدنة تلتزم فيها إسرائيل بالتزامات محددة، فسيكون هذا انتصارا فلسطينيا، وترجمةً للإنجاز العسكري، وسيصبح السؤال، كيف يصوغ الفلسطينيون لاحقا حركتهم، واستراتيجيتهم؟.    

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 20/11/2012

الارشيف