الصراع الغزي-الإسرائيلي؟!‏

 

تربى جيل، أو أكثر، من الفلسطينيين، وهو يسمع أنّ قضيته "تصغر" من جهة و"تتسع" من جهة؛ تصغر من حيث عدد أطرافها، وتكبر من حيث معاناتهم. قيل لهم إنّها كانت "إسلامية – يهودية"، في ثلاثينيات القرن الفائت، وغدت "عربية – إسرائيلية" في أربعينياته، وفلسطينية – إسرائيلية منذ نهاية ستينياته. واليوم تمتلىء الشاشات الفضائية وصحف العالم بعناوين تقول حرب أو صراع "غزة- إسرائيل".

في المشهد طرفان موقفهما موضع ترقب؛ الأول، مصر، ما بعد الثورة في زمن "الإخوان"؛ وهل يعاد للصراع وجهه وجسده العربي؟ والثاني، باقي الفلسطينيين، وتحديدا الضفة الغربية، وهل فعلا وصل الانقسام مداه حتى يسمى الصراع ب "الغزي – الإسرائيلي"؟! أي أنّ التساؤل هل عاد تعريف الصراع للاتساع بفضل مصر، أم أصبح أكثر ضيقا، بالنظر إلى الانقسام؟

سُرَّ الناس، وارتاح الغزيون نسبيا، وهم يرون زيارة غير مسبوقة لرئيس وزراء مصر إلى غزة، وتصريحات قوية "نسبيا" للرئيس المصري، وشكروه، وكذلك وهم يرون القاهرة تستعيد مركزها "نسبيا" أيضا، مكانا لقيادات "حماس" و"فتح" والفصائل حيث يلتقون وينسقون خطواتهما، فكانت القاهرة الحاضنة الجديدة للقيادات السياسية للفصائل. ولكن الزيارات والتصريحات سرعان ما بدت خطوات إعلامية، ودور القاهرة النشط، لا يلغي أنّ التعريف الدقيق للدور الراهن للجانب المصري أنّه "وسيط"، يسعى لتهدئة، حتى وإن بشروط مختلفة، لكنه يبقى طرفاً ثالثاً، وليس طرفاً في الصراع، والآن تستضيف "قاهرة الإخوان" بحضور ووجود قادة "حماس" وزراء ومسؤولين إسرائليين، يناقشون الهدنة! ومسؤولو "حماس" لا يتوقعون أكثر بكثير من هذا الدور المصري، فسقف التوقعات "واقعي" وغير مرتفع، بل ويقولون صراحة إنّ "ضمانات أميركية" ودولية مطلوبة لأي اتفاق. فالقادة الفلسطينيون الآن يدركون أنّهم "اللاعب الفلسطيني"، وهم اللاعب الأساسي، الذي عليه محاولة إدارة أحسن عملية اتصالات ودبلوماسية داعمة للحرب، وأنّ الموقف العربي يتوقف عند حدود "التضامن الداعم" وليست "التضامن التشاركي".

في المقابل فإنّ الضفة الغربية لم توافق على إعادة التعريف؛ عادت الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي كانت قد خلت من الجنود في الفترات السابقة، للعمل وعادت حواجز عطارة وحوارة وقلنديا ومعها منطقة سجن عوفر، وقُبة راحيل، ومدخل بيت أُمَّر، وغيرها الكثير، لتشهد مواجهات دامية. لا شك أن ما يحدث في الضفة لا يخلو من مفاجأة، وينذر بمفاجآت. ليس "التضامن التشاركي" هو المفاجأة فوحدة الشعب ليست موضع شك، والمفاجأة هي الزخم المتزايد، "وشبكة التضامن المنظمة"، فحتى قبل العدوان كانت قد أُقرت فعاليات لتغيير مسار العلاقة مع المستوطنين، ففي السنتين الماضيتين وصلت الاستفزازات والتغول الذي يمارسه المستوطنون درجة غير مسبوقة. ولكن خلال ساعات من العدوان ظهرت المنظمات الشعبية من اتحادات طلبة، ونقابات عمال، وموظفين، وفرضوا إيقاعا جديدا للعمل الشعبي. نزل إلى الشارع جيل جديد من الطلبة والناشطين، وعادت الفعاليات الاحتجاجية والرافضة والساعية للتصعيد ضد الاحتلال لتملأ الأفق. والعاملون في أجهزة ومؤسسات السلطة الفلسطينية، "أي الحكومة"، ليسوا استثناء، بل إنّ مبادرة نقاباتهم، التي تحظى بمباركة ضمنية عملية من القيادات الإدارية للمؤسسات، وهي مباركة عملية بتسهيل المشاركة أكدها لي أكثر من شخص من العاملين هناك، قلبت منطق الأمور، فباتت هذه المؤسسات نقاط تجمع وتنظيم واتصال ينطلق العاملون منها إلى أماكن الاحتجاج والمواجهة.

لا زال الحديث عن بدايات غير ناضجة بعد للحراك في الضفة الغربية، ولكن شعور الحاجة للوحدة الميدانية طاغ، والنقاشات حول سبل المواجهة، وطبيعتها، لا تمنع من النزول للميدان. وببساطة تدحرج العملية الصهيونية في غزة، والصمود وإنجازات "حماس" والمقاومة هناك، يتبعه حالة نهوض شعبية في الضفة، سيتحسب لها الاحتلال بكل تأكيد إذا استمرت الحرب، وإذا لم يفعل سيكون قد ارتكب خطأ استراتيجيا. فالحراك في الشارع يعيد تحريك المياه الراكدة؛ الفصائل تعيد صياغة علاقاتها وتعاونها على مستوى الكوادر الميدانية على الأقل، كما بدأ يحدث في مظاهرات الشوارع والميادين العامة. وكحراك اتحادات الطلبة التي تسيطر عليها "شبيبة فتح"، ومعهم الكتل الطلابية المختلفة، وكل هذا سيؤدي لديناميات جديدة وحراك شعبي، ستؤكد أنّ الصراع "فلسطيني – إسرائيلي"، وأن القدرة على التجدد قائمة ما دام الاحتلال مستمرا.          

 

نشر غي الغد الأردنية بتاريخ: 21/12/2012

الارشيف