جديلة تميمية في "النبي صالح"‏

 

سُمي رشدي تيمّنا بخاله شهيد الثورة في لبنان. والتميمي، عائلته. هل كانت مصادفة استشهاد القائد في "حماس" أحمد الجعبري، في غزة، من فرع عائلة عريقة تحدّرت من الخليل، وأن الشهيد "الذي سقط في معركة الدفاع عن غزة هاشم"، كما جاء في ملصق "حركة فتح، إقليم رام الله والبيرة، موقع النبي صالح"، هو أيضا من عائلة عريقة أصلها الخليل؟! أم هي جديلة وطن بدأت جنوباً من غزة، وانعقدت في الخليل، وامتدت شمالا إلى رام الله، عابرة للفصائل والتنظيمات؟

الميلاد 1981، بعد حرب الصواريخ بين جنوب لبنان وشمال فلسطين، بين 10 و24 تموز، حيث قتل الإسرائيليون المئات في قصف بيروت، وهرب آلاف الإسرائيليين جنوبا بعيدا عن الحدود.. أثناء الهدنة التي رعاها الأميركي فيليب حبيب، وقبل ملحمة بيروت 1982، والاستشهاد 2012 على وقع الصواريخ من غزة، القادمة ربما بمساعدة من حزب الله، من جنوب لبنان، صواريخ "حماس" التي طاردت الإسرائيليين شمالا، وجنوبا، ووسطاً.

يقف شباب جامعة بيرزيت، يخاطبهم فتى يافع، "يا جامعة الشهداء، جامعة مروان البرغوثي، ويحيى عياش، وشرف الطيبي، لنتحرك إلى مقر الشرطة في بيرزيت، نستقبل ونؤبن الشهيد رشدي التميمي، أحد أبناء الأجهزة الأمنية، الذي استشهد في المواجهات، ثم نتوجه لنحرق الأرض تحت أقدام الاحتلال، على حاجز عطارة". تتحرك جموع الطلاب.. تستقل حافلاتٍ وقَفَت بجانب لوحة رخامية مصفوفة بأسماء الشهداء من أبناء الجامعة، ولم يبق فيها متسع.   

النبي صالح، قرية تعيش المواجهة كل يوم، شكّل أهلها قبل ثلاث سنوات لجنة للمقاومة الشعبية، تقود المواجهات، تغلق مدخلها بوابة عسكرية وبرج مراقبة، صهيونيين، ولمدخلها البديل بوابة يغلقها العدو متى شاء، ليحولها على سكانها الخمسمائة إلى سجن.

في الطريق، مساء، قرب حاجز عطارة، تلمح شابا ملثما يتأبط إطارا مطاطيا.. وآخر يتدبر أمره بدفع إطارين، وثالث ورابع.. "يسْرون" كأولئك الذين كانوا يسْرون فجرا، يحملون بندقية ويدوسون عوسجا.. خطواتهم سريعة فوق عشب نديّ، تملؤهم الحماسة لدخول "الوطن المحتل".. يخبرني رفيق الطريق، علينا العودة من طريق مختلف ويضيف: "يذكّرني مشهد العنفوان بما كان يجري في مكاتبنا في بيروت، أيام الاجتياحات الإسرائيلية لجنوب لبنان، كان المكتب يعج بالمتطوعين من طلبة الجامعات والثانويات، يتهيئون للنزول إلى جبهة المواجهة، هو المشهد ذاته".. يضيف: "المقاومة تشحذ الهمم، اليوم صباحا في دوار المنارة، كان الشبان والصبايا لوحة رائعة، يهتفون لكتائب القسّام، معظمهم فتحاويون، يحتفلون للكرامة التي أحيتها المقاومة في النفوس".

يقول خال الشهيد، إنّ أهالي القرية عائلة واحدة، هي التميمي. أسأله عن طفلات ظهرن مؤخرا في الإعلام وأشرطة "اليوتيوب" يلقن الجنود درساً، يصرخن تارة ضد اعتقال أمّ، وتارة ضد اعتقال صبي، ويهددن الجندي بفضحة أمام "الإعلام العالمي"، ويسخرن من سلاحه الذي يستخدمه "ليخيف الأطفال"، كما تخبره طفلة ترفع قبضتها في وجهه.. يبتسم الخال ويقول، بناتي مرح وعهد، إحداهما الشهيد خالها والثانية ابنة خاله! أسأل، كيف" يبتسمون.

أُلاحظ أنّ جزءا كبيرا من أبناء القرية "شُقر" البشرة. شجعني هذا أن أسأل: "ظننت أمهما غير عربية؟"، يبتسم.. ويؤكد آخر قدم للعزاء: هذه سمة أهل القرية، ويضيف: هذا يزعج الإعلام الصهيوني، فالعالم الغربي يرى في الإعلام أشخاصا ليسوا بعيدين عنه شكلا.

يقول الخال لا بد من مشاركة الجميع، أطفالا وكباراً، عددنا محدود.. ويخبرني أنّ عددا كبيرا من أبناء القرية يعملون في الأجهزة الأمنية، ولكنهم في المواجهات دائما، سقط الشهيد بملابسه المدنية، وهو يشارك في المواجهات.

تقف، كُلما دخل مُعزّون جدد.. الكلمات السريعة والجمل العابرة والقبل والمصافحات، تكشف القليل عن خريطة متكاملة من أهالي القرية/ العائلة، "قُدامى" جنرالات الداخل والشتات.

في عزاء آخر، في الليلة نفسها، يمازح شاب، طبيبا نفسيا متطوعا، يأتي من الجليل في فلسطين المحتلة عام 1948، ليقدّم الرعاية الصحية للأسرى السابقين وأمهات الشهداء، فيقول الشاب: كل فلسطيني بحاجة لخمسة أطباء، أتذكر أسيرة سابقة قالت لي إنّ قوة شخصيتها وشكيمتها تكونت في الأسر.. يدور في خلدي أنّ كل فلسطيني هنا جديلة قصص بحاجة إلى خمسة مؤرخين.     

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 23/11/2012

الارشيف