الحل الذي يطرحه مشعل‏

 

في مؤتمره الصحافي الذي أعلن فيه الأسبوع الماضي اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في غزة، استهل خالد مشعل حديثه بالقول إنّه ورمضان شلّح، أمين عام الجهاد الإسلامي، يمثّلان المقاومة، وهو دقيق فيما يقول؛ فقد أصبحت "حماس" ومعها "الجهاد" صاحبتي القرار، والكلمة الفصل، في غزة وفي ملفات أخرى.

يمكن الاجتهاد والقول إنّ الانتصارات العسكرية التي حققها الفلسطينيون والعرب ضد إسرائيل، هي معركة الكرامة عام 1968، وحرب تشرين اكتوبر 1973، وهذه الحرب الأخيرة.

من غير المستبعد أنّ يكون أثر الحرب الأخيرة شبيها بمعركة الكرامة؛ إذ أنّه بعد صد العدوان صعدت "فتح" رسميا لتقود منظمة التحرير الفلسطينية، والشعب الفلسطيني. وانتُخب ياسر عرفات رئيسا للمنظمة بعد نحو 11 شهراً من ذلك الانتصار، الذي تلاه تصاعد المقاومة.

بعد يومين من الآن سيحل موعد التصويت على عضوية فلسطين المراقبة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها سيطرح السؤال بقوة على قيادة منظمة التحرير، وفتح: ماذا بعد؟ إلى أين الآن؟ ما هو البرنامج؟ وفي حالة عدم تقديم أجوبة عملية في الميدان فإنّ مكانة المنظمة وفتح مرشحة للتدهور أكثر، لصالح "حماس".

لقد أنهت حرب غزة الأخيرة البقية الباقية من الاعتراف الدولي بمكانة قيادة المنظمة في غزة؛ فقبل هذا كان يُنظر للسلطة في رام الله على أنّها الطرف الذي أبرم الاتفاقيات الخاصة بالمعابر وبكثير من الشؤون، وأنّها المرجعية. أمّا الآن فإنّ إسرائيل نفسها باتت تتعامل مع "حماس" المدعومة برعاية مصرية – قطرية – تركية، على أنّها مرجعية غزة.

وإذا كانت الحرب وما قبلها من ملابسات، تقوي فرص بقاء خالد مشعل، قائدا رسميا لحماس، فإنّ الرجل يطرح الآن تصورا محددا، لحل الموضوع الفلسطيني.

ما يطرحه مشعل باختصار، هو المطالبة بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مقابل تعهد بعدم اللجوء إلى القوة والكفاح المسلح لتحرير باقي الأراضي الفلسطينية، أي تركها عمليا للسياسة والدبلوماسية، وبكلمات أدق للتاريخ. وهذا مضمون ما قاله في حديثه الأخير مع تلفزيون "سي أن إن"، بقوله "أنا قائد حماس، أخبر العالم، نحن مستعدون لاستخدام طريقة سلمية، حقاً طريقة مسالمة، دون دماء أو سلاح، طالما حققنا مطالبنا الفلسطينية". وحدد المطالب بـ "إنهاء الاحتلال، ودولة فلسطينية، والجدار". 

فماذا يختلف هذا عن طرح منظمة التحرير؟ وهل هو حل ممكن؟

الفرق الأساسي الذي تطرحه حماس، أنّها لن تعترف بإسرائيل، أي لن تعلن التنازل رسميا عن باقي فلسطين، ولكنه مشعل في حديثه مع "سي أن إن" خطى خطوة إضافية، فلم يقفل الطريق على إمكانية الاعتراف، بل قال "أنا أقبل بدولة على حدود عام 1967، مع حق العودة للاجئين"، وأضاف: "أريد قيام دولة للفلسطينيين، وبعد قيامها ستقرر (هذه الدولة) موقفها من (إسرائيل)، لا يمكن توجيه هذا السؤال لي (الاعتراف بإسرائيل) وأنا في السجون وتحت الضغط الصهيوني". وفي محاولته تحديد فلسطين، وفي إجابة لا تختلف كثيرا، فعليا عن إجابة الرئيس محمود عباس عن تعريف فلسطين قال مشعل "فلسطين من النهر إلى البحر، ومن الشمال إلى الجنوب أرضي، وأرض آبائي وأجدادي، سُكنت من قبل الفلسطينيين منذ زمن طويل، هذه أرضي وحقي. ولكن بسبب ظروف الإقليم، وتوقا لوقف الدماء، وافق الفلسطينيون، اليوم، وفي الماضي، وحماس، على برنامج يقبل حدود العام 1967". 

أهم ما في مشروع الدولة غير العضو في الأمم المتحدة، أنّه يحدد حل الدولتين، والاعتراف المتبادل، ومشعل لا يرفض هذا من حيث المبدأ، ويقول في لقاء مع وكالة أنباء تركية: "موقفنا أن المعركة الدبلوماسية في الأمم المتحدة وإن كانت مهمة وجيدة، لكنها لا تكفي، وينبغي ألا تكون منفردة، بل أن تكون وفق توافق وطني فلسطيني عام، ومنظومة ورؤية الدبلوماسية جزء منها، وفيها أيضا المقاومة حتى ننتزع حقنا"، فهو يرفض الانفراد، ولا يرى الدبلوماسية وسيلة كافية، أمّا الهدف فلم يعلّق عليه.

موقف حماس من حل القضية الفلسطينية، كما يعبر عنه مشعل، بات بعيدا عن مواقفه ومواقف "حماس" السابقة، لم يعد شعار عدم التفاوض، وفلسطين من البحر إلى النهر، والأرض الوقف، مطروحا.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 27/11/2012

 

الارشيف