بنك أهداف بإدارة عباس ومشعل‏

 

بعد فشل المحاولات والتهديدات الأميركية والإسرائيلية، ووعود التجويع، في ثني القيادة الفلسطينية عن التوجه إلى الأمم المتحدة طلبا لعضوية دولة فلسطين، تحاول واشنطن وإسرائيل وربما لندن، تقليص معنى الخطوة، بتقليص عدد الدول المؤيدة، لا سيما من داخل أوروبا، والحصول على تعهدات من الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، بعدم مقاضاة إسرائيل في المحاكم الجنائية الدولية، باعتبار ذلك "خطّا أحمر"، بل وصل الأمر حدّ تسريب أخبار أنّ عبّاس وافق فعليا على وثيقة سريّة بالتعهد بذلك.

بطبيعة الحال فإنّ الإعلان عن "وثيقة سرية" يدحض ذاتيا وجودها، والأهم أنّ لا معنى لهذه الوثيقة، إنْ  وجدت؛ فحتى لو التزم قائد ما بأمرٍ كهذا، فلا قيمة قانونية أو سياسية تتعدى من يوقعها، فمن يجبر أي قيادة قادمة على عدم اللجوء للمحاكم الدولية؟.

 تقول "الغارديان"، إنّه عندما قدّم صائب عريقات نص القرار المقترح للحصول على العضوية المراقبة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، ردّت هيلاري كلنتون غاضبة: "حتى الذهاب إلى هناك (الأمم المتحدة) لا تفعلوه".  

ما يُغضب واشنطن، هو تغيير قواعد اللعبة؛ فعلى مدى عقود تعهدت واشنطن للإسرائيليين بـ "حشر" عملية التسوية في إطار مفاوضات ثنائية فلسطينية – إسرائيلية، برعاية أميركية حصرية، ومنع الذهاب للأمم المتحدة، ومنع تدخل دولي فاعل لأطراف أخرى. والفلسطينيون يقولون لن نستمر في قبول هذه القواعد، التي تعني التغطية على الاستيطان والعدوان الإسرائيلي.

رغم أنّ المصالحة الفلسطينية الداخلية لا تبدو قريبة بالضرورة، لكن "إدارة العلاقات" باتت تزعج الإسرائيليين والأمريكان؛ فهبّة الضفة الغربية ومواقف قواعد وكوادر حركة "فتح" في تأييد "حماس" في الحرب الأخيرة عامل خارج حسابات الإسرائيليين. وتأييد خالد مشعل الآن، للذهاب للأمم المتحدة عامل إزعاج آخر. فقدت إسرائيل إذن، وخلال شهر واحد تقريبا، المبادرة العسكرية بخسارة على يد "حماس"، وفقدت الرّهان على المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الانقسام الفلسطيني، وفقدت الرّهان على الاطمئنان لهدوء الضفة الغربية، والآن تطرح خطوة الأمم المتحدة فقدان زمام المبادرة دبلوماسيا.

في الدراسة التي قدّمها صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، قبل أسابيع، عن اليوم التالي للذهاب للأمم المتحدة، قال إنّ قرار الانضمام للمؤسسات الدولية، بعد الحصول على العضوية، ويندرج في هذا بالتأكيد، الترجمة القضائية للعضوية، يخضع لحسابات الربح والخسارة. في المقابل يرى خالد مشعل، في تأييده لخطوة الأمم المتحدة، باعتبارها مجرد جزء من استراتيجية أو خطة أكبر يجب تبنيها.

رغم أنّ المعنى العملي على الأرض لخطوة العضوية في الأمم المتحدة شبه معدومة، ورغم أنّ المؤشرات كلها أن القيادة الفلسطينية لم تبلور خطى محددة للمرحلة المقبلة، فإنّ الفلسطينيين الآن في طريق قد يؤدي للعودة إلى المقاومة، والرفض، من خلال إدراك أن الأدوات العسكرية، والسياسية، والدبلوماسية، والمقاومة الشعبية في تحدٍ للطرف الأميركي الإسرائيلي أمر ممكن ومُجدٍ.

أحد السيناريوهات أنّ القيادة الفلسطينية ستحاول تحويل مسألة الذهاب للمحاكم الدولية إلى ورقة مفاوضة وضغط، وهذا السيناريو مقلق إذا لم يكن ضمن تصور أوسع. على مدى أكثر من عامين بدا الذهاب للأمم المتحدة هو الورقة الوحيدة التي تستخدمها القيادة الفلسطينية، وأن ندخل مرحلة نلوح فيها لسنوات أخرى بالذهاب لمحاكم دولية، أمر مدّمر.

إنّ اتفاق عباس – مشعل على بنك أهداف ممكن وضروري؛ وفكرة بنك الأهداف هي توجه قوى مختلفة منسقة للعمل في اتجاهات عدة سعيا لأهداف متنوعة. وفي الحالة الفلسطينية، أن يجري العمل في المقاومة الميدانية، ومواجهة المستوطنين، واستكمال تحرير غزة، وتحقيق حكومة فلسطينية، وتحويل النقابات المهنية من قوة احتجاج على نقص الرواتب إلى قوة تحدٍ للإسرائيلي، الذي يسخّر الراتب قيدا على رقبة الفلسطيني.

وفق هذا البنك سيكون التفاوض باستخدام ورقة المحاكم الدولية، لفرض أمور مثل وقف الاستيطان، أو اللجوء الفعلي للمحاكم، متكاملا مع خطوات مواجهة المستوطنين، ومواجهة جنود الاحتلال، وإلغاء التنسيق الأمني، وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتعبئة الطاقات الفلسطينية في مواجهة يومية، تستخدم الأدوات العسكرية والدولية بأكفأ طريقة ممكنة، وهذا بحاجة لخطوات إصلاح جذرية وتغيير كبير في القيادات والمسؤولين. إذا تعذرت الخطة الموحدة، فليُستخدم تكنيك بنك الأهداف.  

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 29/11/2012  

الارشيف