مقاهي القدس.. اغتيال فنجان قهوة‏

 

كنتُ أجلس منذ أيام، إلى طاولة مستديرة، في "المحكمة العثمانية" في "رام الله التحتا"، يشاركني إياها خمسة أشخاص، لا يكاد أحدنا ينظر إلى الآخر!.. كنا نتابع آخرين يجلسون في مقهيين مشابهين في البرتغال وانجلترا!..

تحولت "المحكمة العثمانية"، المبنى الأثري المرمم، إلى مكتبة أطفال، ومسرح مفتوح، وقاعات ذات سقوف "عقد متقاطع"، تستضيف "مقهى الحوار" (Dialogue Cafe)، وهو لقاءات بين أشخاص مختلفين في العالم، يلتقون عبر شاشات كبيرة، تتغير تلقائيا لتبث صورة المتحدث أينما كان.

 لعلها مصادفة أن يكون المقهى في رام الله، في مبنى أثري، ولكن هذا فرض على الذاكرة مقاهيَ كثيرة، قرأتُ عنها.

سيرة مقاهي القدس، مليئة بالتفاصيل الحميمة والألم والخوف.. اغتيال رشفة قهوة..

سجّل أكثر من مرجع صفحات من تاريخ "مقهى الصعاليك" في حارة النصارى في القدس؛ ففي كتاب "القدس والبنت الشلبية"، للكاتبة الشلبيّة المبدعة الدكتورة عايدة النجار، شذرات جميلة عن المقهى. لم تكن حواراته عادية، فقد كانت تصنع رأيا عاما، وحركة ثقافية. وعايدة التي تعلمنا عن حياة "شلبية" في القدس، تخبرنا عن أوانٍ زُرع فيها النعناع والورود، على شرفات البيوت، وشباب بدأ يستخدم كريم الشعر، ومحلات متخصصة في بيع مستلزمات الأطفال، وكل هذا منذ عشرينيات وثلاثينات القرن الماضي. كان اسمه "مقهى المختار" أو مقهى "العم أبو ميشيل" مختار الطائفة الأرثوذكسية، والذي يُعرف أيضا باسم "الطبة" نسبة لعمله في الطباعة، أسسه عام 1917، فكان مقهى ومكتبا يدير منه شؤون الطائفة. وفي عام 1919 أطلق عليه خليل السكاكيني، اسم "مقهى الصعاليك"، ليصبح ملتقى المثقفين من الأدباء والشعراء والصحافيين.. كانت القهوة تُحتسى برفقة قصص حب وتمرد وأدب؛ كانت تصلهم مثلا رسائل الأديبة البروفيسورة كلثوم عودة، ابنة الناصرة، التي أحبّت طبيبا روسيا وتمردت، وضغطت على عائلتها وتزوجته وسافرت إلى موسكو، أصبحت باحثة وكاتبة، وعلّمت اللغة العربية للروس، وكانت رسائلها تصل المقهى، فهي تلميذة السكاكيني، فتتحول الرسائل إلى موضوع حوار أدبي وثقافي.  

في نهاية السبعينيات، أسس سريّ نسيبة، وهو الاستاذ الجامعي، والشخصية الخلافية -خصوصا علاقاته مع الإسرائيليين، التي يوثقها في سيرته الذاتية- وزوجته الانجليزية لوسي، مقهى "شجرة الليمون"، في القدس القديمة، لتلتقي فيه النخبة الفلسطينية المثقفة الشابة، وتختلط مع "المتسكعين"، ويلتقي الأوروبي بالعربي.

ولكنها قصة محزنة، فالاحتلال يهاجم المدينة بقسوة.. وتجار المخدرات يجلسون قرب المقهى، الذي أُغلق بعد قصص كابوسيّة..

يقول سريّ، واصفا الحال في محيط مقهاه: "لم تعرف المدينة التي عشت فيها طفلا، ثقافة المخدرات والجرائم التي ترافقها، أما الآن فأصبحت الفئران تركض إلى جوار صناديق القمامة المقلوبة التابعة للبلدية (الإسرائيلية) التي لم تفرغها". حاولت المخابرات تجنيد عاملين في المقهى، وهددت نسيبة بوضع مخدرات فيه، واتهامه بإدارة شبكة مخدرات إن لم يتعاون معها، وكانت الخاتمة إغلاقه، بعد مقتل سائح ألماني على بابه في جريمة غامضة.

في عدد الصيف الماضي من "حوليات القدس"، مقال يزخر بالتفاصيل، عنوانه "مقاهي القدس في العهد العثماني"، يصوّر فيه بشير بركات، كيف أنّ فتح المقاهى في أوروبا بدءا من البندقية سنة 1624، كان استنساخا للمقاهي العربية، وكانت تسمى باسم "بيت القهوة" كما كانت تسمى عربيا. ولما كان فقهاء حرّموا القهوة يوماً، طاردت المحاكم العثمانية من يصنعها، إلى حدّ إجبار "أحمد بن أحمد القهوجي" عام 1566 أن يحلف بالطلاق من زوجته "كافية" أن لا يصنع القهوة في القدس. فكان شرب القهوة في "بيوت قهوة" سريّة، وتُدفع الرشاوى للتغاضي عن ذلك. ومن أقدم مقاهي القدس يوم سُمح بها "بيت القهوة" في حمام علاء الدين البصير عام 1578، وقهوة "في عهدة يوسف بن ميخائيل الماروني" في وقف مسجد الصخرة والمسجد الأقصى سنة 1672. وفي إحصاء عام 1877 كان في المدينة 31 مقهى منها 23 لمسلمين، و6 لمسيحيين، و2 ليهود.

لو أردت تسجيل قصص روّاد مقاهي القدس لربما احتجت شاشات في مدن عديدة حول العالم، لجمع من شتتهم الاحتلال.. ولكن (Dialogue Cafe) لا يقدم القهوة.. حيث تُحتسى قهوة الفكر والكلمة.. والقدس مدينة بطعم القهوة.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 30/11/2012

 

الارشيف