منظمة ودولة وسلطة‏

 

هل سيصبح لدى الفلسطينيين منظمة، ودولة، وسلطة؟ وما الفرق بينها؟ هل يتم تفكيك المنظمة والسلطة لصالح الدولة؟ أم تبقى المنظمة؟

وهل للتضامن والاعتراف الدولي معنى على الأرض؟

تسمى منظمة التحرير الفلسطينية مجازا "الوطن المعنوي" للفلسطينيين، وعلى الأرض كانت المنظمة واقعا مؤسساتيا، وخدمات، وإعلام، ومنتدى، و... إلخ. تراجع هذا كله وتلاشى تدريجيا لصالح السلطة الفلسطينية، وتقلصت أجهزة وأنشطة المنظمة، وغدت تُستحضر للواجهة في أطر وظيفية محددة، تأتي غالبيتها لتأكيد شرعية القيادة الفلسطينية، في مواجهة الخصوم الداخليين. وحدث هذا منذ اتفاقيات أوسلو، على اعتبار مُضمر، أنّ بناء السلطة، هو بناء للدولة، التي ستحل مكان المنظمة.

حصل الفلسطينيون الآن على عضوية "مراقب" لدولتهم في الأمم المتحدة، فما الذي سيحصل؟

في دراسة أعدها المفاوض الفلسطيني، صائب عريقات مؤخرا، وقبل التصويت على الدولة، أنّ "اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الفلسطينية المخولة بإجراء المفاوضات نيابة عن الشعب الفلسطيني، وأن رفع صفة فلسطين في الهيئة العامة سيمكّن دولة فلسطين من أن تصبح الجهة الرسمية في المعاهدات الدولية أو في المعاهدات الثنائية (...) إضافة لذلك لن يغير رفع التمثيل في الأمم المتحدة من إطار المفاوضات مع إسرائيل".

في  عمّان قال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الأحد الفائت، إن اتفاقات أوسلو موجودة، يُبنى عليها ولا تُلغى، وأضاف: "إن أوسلو موجودة، والإسرائيليون حاولوا خرقها وإلغاءها، لكنها موجودة وستبقى موجودة يبنى عليها ولا تلغى".

في واقع الأمر أنّ هناك مؤشرات عديدة على عدم وجود تصور لدى القيادة الفلسطينية لِما سيحصل حقا الآن. وفي ضوء قراءة المشهد الحالي، وفي ضوء التصريحات السابقة، يُخشى أن الأثر الملموس للدولة سيكون في الساحة الدبلوماسية الدولية، دون علاقة مباشرة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. أي ربما تقوم دول بتغيير الوضعية القانونية للتمثيل الفلسطيني في بلدانها، وربما يساعد قليلا الفلسطينيين في تعاملهم مع هذه البلدان، وقد يبدو هذا مفيداً لفكرة الدولة والهوية الفلسطينية، ولكن على الأرض خصوصا داخل الأراضي المحتلة فإنّ الأثر محدود، وبغياب التجسيد العملي للدولة على الأرض، يُخشى أن تكون المحصلة ضعف المنظمة، دون تواجد عملي للدولة.

أهمية المنظمة أنها تمثل (نظريا وقانونيا) كل الفلسطينيين، ويجب أن تمثل كل فلسطين، (بغض النظر عن الصراع الفصائلي وعدم تمثيلها السياسي العادل للقوى الفلسطينية)، وبالتالي وحتى حسم كل القضايا بما فيها عودة آخر لاجئ فلسطيني، أو الاتفاق بشأنه، تبقى المنظمة هي ممثل الفلسطينيين، إلا إذا اتُفق فلسطينيا ودوليا على خلاف هذا ضمن عملية واضحة.

حل السلطة لصالح الدولة يبدو أمرا منطقيا ويحقق للفلسطينيين مجموعة أهداف، أولها التخلص من إرث السلطة، أو البناء عليه، فالسلطة كانت تصورا مؤقتا ضمن الاتفاقيات الانتقالية, وفرض الدولة انتقال إلى الوضع النهائي. ولكن القيادة الفلسطينية ستفكر كثيرا بالتأكيد بتبعات هذه الخطوة على الأرض، وبردود الفعل الإسرائيلية.

هناك معنيان يمكن عبرهما ترجمة الإعلان الأممي بشأن الدولة؛ الأول، تفعيل آلية الملاحقة القانونية لإسرائيل ضد أي اعتداء، وأول اعتداء هو الاستيطان، وبالتالي وضع خطة "هجوم قانوني". والترجمة الثانية، هي على الأرض، بإلغاء السلطة واستبدال الدولة بها، ووضع إسرائيل أمام خيارات التعامل مع الفلسطينيين وقيادتهم باعتبارهم دولة، أو التوصل إلى اتفاقيات سريعة، أو رفض التعامل مع الدولة الفلسطينية بما يعني هذا من أزمات ومواجهات، وسيكون بمقدور القيادة الفلسطينية تحميل إسرائيل المسؤولية وتوجيه طاقة الغضب الشعبي الناتجة عن الأزمات الحياتية، التي سيتسبب بها السلوك الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، باعتبار أي أزمة رواتب، أو أزمة معاملات قانونية وإدارية سببها الإسرائيليون. ويعني الدفاع عن الدولة أنّه في حال قامت إسرائيل بقرارات كالذين اتخذتهما بعد الإعلان الأممي، والقاضيان ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، ومصادرة عائدات الضرائب الفلسطينية، أن يصبح لدى الفلسطينيين حالة سياسية شعبية، تجعل أي قرار من هذا النوع، يعني النزول إلى الشارع للمواجهة وملاحقة المستوطنين وطردهم من أراضي الدولة الفلسطينية، والذهاب للمحاكم الدولية.

تفعيل منظمة التحرير ضروري، واستبدال الدولة بالسلطة، والدفاع عن سيادة الدولة ضد الإسرائيليين، خيار منطقي، وإلا ما معنى مراكمة المسميات: دولة، وسلطة، ومنظمة؟

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 05/12/2012


الارشيف