على هامش الثورة ضد الإخوان‏

 

لو أريد منحُ جائزة أسوأ تصويت على دستور، ربما ستأخذها مصر على طريقة التصويت من قبل الجمعية التأسيسية للدستور الأسبوع الفائت. لن يمر تصويت كهذا إذا قُيّمت سلامة إجراءات التصويت قانونيا. والحديث هنا ليس عن بنود الدستور ونصوصه، ولا عن تركيبة الهيئة التي أقرته، بل طريقة التصويت. لا يقع في الأخطاء التي حدثت حتى اتحاد طلبة.

لنتأمل كيف تمت عملية التصويت؛ كان رئيس الهيئة المعنية يعلن رقم المادة، ويطلب من المعارضين رفع أيديهم، ثم يطرح عددهم من إجمالي الحاضرين، ويعلن أن البقية مؤيدين، وهذا خلل فادح. فالتصويت يكون دائما على أساس: معارض، وممتنع، ومؤيد. وليس كل من لا يعارض مؤيد. هذا وحده كفيل بجعل التصويت وإقرار الدستور فاسد. ولا يملك أي قانوني أو باحث أكاديمي في السياسة يحترم علمه ونفسه أن يتقبل طريقة إخراج الدستور المصري.

مثّلت ثورة مصر أملا للأمة العربية لا لمصر وحدها، وما يحدث الآن هو نكوص هائل في مستوى الأداء والتفكير. لقد اكتنف التصويت "أمورة بالغة الغرابة. ولنتأمل أحد المشاهد التي بلغت الغرائبية فيها قمتها أثناء التصويت، عندما اعترض ستة عشر عضواً في الجمعية التأسيسية للدستور على إحدى المواد فقال لهم رجل القانون المستشار حسام الغرياني، أنّ هذا يعني أن المادة لا نصاب لقبولها ويجب إعادة التصويت بعد 48 ساعة، أي تأجيل الدستور، وأُعيد التصويت خلال ثوان، فعارضها أربعة فقط دون نقاش. بكلمات أدق، انقلب الرأي من المعارضة إلى التأييد دون نقاش المواد، واستغرق "الانقلاب" 63 ثانية!. هل يعقل تغيير الرأي في قرارات وقواعد ستحكم مستقبل مصر فقط لتجنب إعادة التصويت بعد يومين؟! هل تُقَر الدساتير هكذا؟ وإذا تذكرنا أنّ إقرار مواد الدستور كان يحتاج إلى 67 صوتا من أصل 100 عضو، وأنّ نحو ربع أعضاء الجمعية استقالوا أو انسحبوا أصلا منها، وأنّه تم تصعيد أعضاء احتياط مكان جزء من المستقيلين والمنسحبين في اللحظة الأخيرة، لاكتشفنا أنّ أصوات قليلة للممتنعين كانت ستقلب الحسابات.

إقرار الدستور بهذه الطريقة، يعيد مصر إلى مستوى الدكتاتوريات الهزلية، على غرار الدستور السوري الذي عُدّل سريعا يوما ليسمح لبشار الأسد، أن يتجاوز شروط السن، ويرث عرش والده على رأس الحكم الأسدي للجمهورية.

دون الدخول في جدل وجاهة الإعلان الدستوري للرئيس المصري بشأن حصانة قراراته، وبشأن القضاء، فالسؤال ليس إن كان محمد مرسي على حق أم لا في قراراته. بل ألم يكن بالإمكان ترتيب الأمور على نحو مختلف؟ لقد دعا مرسي أثناء حملته الانتخابية إلى تشكيل أعرض تيار لبرالي ممكن، فهل هذا هو التيار الذي دعا إليه؟ ألم يكن ممكنا مثلا دعوة رموز المعارضة، الذين هم أيضا رموز الثورة التي أوصلت مرسي والإخوان إلى الحكم، من أمثال محمد البرادعي، وحمدين صباحي، والمجموعات الشبابية، لحوار وطني، لوضع ترتيبات إصلاح الجمعية التأسيسية، وتفادي الإجهاض القضائي، الذي يتذرع به مؤيدو مرسي، لكل قرار يمكن اتخاذه؟

لقد كانت الدعوة للحوار حتى لو لم يُلبّها المدعوون ستقوي كثيرا موقف مرسي. أمّا التعامل مع قادة ورموز الثورة والتيارات المدنية، كما لو كانوا مثل المجلس العسكري يمكن شطبهم بقرار سريع، فهذا خطأ فادح في الحسابات. والانفراد بالقرارات يفتح الباب للأخطاء، وقد اضطر مرسي في الماضي للاعتراف مرارا بأخطاء والتراجع عنها.

إنّ تمكن معارضي الإخوان المسلمين من حشد قوة احتجاجية قد تكون "معطلة"، وثورة، في الشارع المصري، من أبرز إفرازات "الربيع العربي"، فوصول الإخوان الحكم تطور مهم، وتطوير قوة مضادة قادرة على الرفض ضدهم أيضاً أمر مهم، يثبت تعددية الشارع وتنوعه.

إنّ مصر مهيأة للخروج من هذا المأزق، ووضع أسس جديدة للحوار، أو للتيار اللبرالي الذي نادى به مرسي. ولو حدث توافق على تأجيل الدستور والاستفتاء عليه، وإعادة نقاشه بطريقة "محترمة" ستقوي مصر، وتزيد من مصداقية الإخوان، وستنطبق عليه مقولة "الضربة التي لا تقتلني تقويني". وخلاف ذلك ستضعف مصر ويضعف الإخوان.

 

 نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 06/12/2012

 

 

الارشيف