مشعل إذ يرفع السقف‏

 

إذا ما قارنا طروحات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، التي أعلنها في زيارته الراهنة إلى قطاع غزة، بمواقفه خلال الأسبوعين الماضيين، أو بمواقف حركة "حماس" المعروفة بشأن قبول فكرة الهدنة، وما قاله في مقابلته مع "سي ان ان" مؤخرا من قبول دولة فلسطينية على حدود 1967، تقرر هي إن كانت ستعترف بإسرائيل، فإنّه يمكن تسجيل أن ما طرحه مشعل في زيارته التاريخية لقطاع غزة تمثل عودةً للمربع الأول، وإقصاء لأي مرحلية، والتركيز على الهدف بعيد المدى.

يرى مشعل أن إسرائيل أفشلت مسار حل الدولة، وأنه أتعب الفلسطينيين. ويؤكد أنّ الدولة التي يتحدث عنها على كل فلسطين: "لا بديل عن دولة فلسطينية حرة ذات سيادة حقيقية على كل أرض فلسطين". ورغم أنّ السلطة نتاج توافق مع الاحتلال يقول إنها "واقع نتعامل به ونديره معا لنخدم شعبنا، ولنسهر على حقوقه، ولنجعل مشروع السلطة جزءا خادما للمشروع الوطني الفلسطيني". ولعلّ اللافت أنّ مشعل يرفع شعار "القرار الفلسطيني المستقل" في تأكيد واضح على وطنية القرار الحمساوي. فرغم أنّ علم الحركة الأخضر هو الذي رفع بكثافة في استقبال مشعل، على حساب العلم الفلسطيني، فإنّ مشعل الذي أثبت صدقيته في مسألة استقرار القرار الوطني، كما اتضح في سوريا، أكد على "القرار الوطني الفلسطيني المستقل، فلا تبعية ولا ارتهان لأحد، لكن هذا لا يعني أن نشطب أو نُضعف الدور العربي والإسلامي، ففلسطين كانت وستبقى القضية المركزية للأمة".

يحق لمشعل وهو المنتصر، أن يقول ما لديه وعلى الآخرين أن يستمعوا، دون أن يُلغى هذا حقهم بالتساؤل والانتظار.

تمّم اسماعيل هنية، رئيس حكومة الحركة في غزة، مقولات مشعل عندما قال "سنبدأ بوضع استراتيجية عربية وإسلامية من أجل تحقيق التحرير الشامل لكل أرضنا الفلسطينية المحتلة، مؤكدًا أن انتصار غزة بداية الانكسار للعدو ونهاية انتشاره".

غالبية الفلسطينيين، إن لم تكن الأغلبية الساحقة، تؤمن بوحدة أرض ومصير فلسطين التاريخية، ومستعدة للتجنّد فورا، إذا وجدت استراتيجية تحرير حقيقية، تستهدف عمليا، وليس في المدى البعيد التاريخي، كل فلسطين، وكل الفلسطينيين.

هذا يجعل الأسئلة التي يطرحها حديث مشعل كما يلي:

كيف نوفّق بين خطاب الحلول المرحلية التي أكد عليها مشعل في الماضي القريب، وخطابات النصر في غزة؟

هل ستعلن "حماس" قريبا جداً حسم موضوع انتخاباتها الداخلية التي طالت، وتفرز قيادتها الرسمية التي تمثل كلمة الحركة الموحدة؟ خاصة أن موقف مشعل المتقدم من المصالحة الفلسطينية وقوله "لا نستغني عن فتح وباقي الفصائل، كما أن فتح لا تستغني عن حماس. لقد أخطأنا بحق بعضنا"، لا يشاطره فيه كثير من قيادات وحتى أنصار "حماس".

هل ستعلن حماس استراتيجيتها للمرحلة المقبلة التي تعبئ كل الفلسطينيين تحت علم فلسطين، وتجمع الفصائل، وتختفي أعلام الفصائل؟ علما انها منذ سنوات تعد بإعلان هذه الاستراتيجية.

هناك  أسئلة أقل أهمية ولكنها عالقة؟ ما الذي حدث حتى لا تدخل قيادة الجهاد الإسلامي إلى غزة؟ فالقارئ والرابط بين التصريحات المختلفة، يستنتج أنّ ما تقوله "حماس" هو أنّ الدخول كان رغم التهديدات الإسرائيلية، وهذا انتصار إضافي، يضاف للنصر العسكري، وأن قيادة "الجهاد" تعاملت مع التهديدات بشكل مختلف، ولم تدخل، على عكس مشعل، إذ أنّ إسرائيل، كما تقول مصادر الجهاد هددت بإنهاء التهدئة إذا دخلت قيادة الجهاد إلى القطاع، وألمحت الجهاد أنّ سبب عدم الدخول ليس الحرص على التهدئة، بل أن المصريين طلبوا هذا.

وهناك سؤال آخر، يتعلق بوجود شخصية مثل منيب المصري في الصف الأول مع مشعل أثناء سيره في غزة. فبينما ينتقد إخوان مصر ومؤيدوهم عمرو موسى، الذي يقف في المعارضة المصرية الآن، لأنه اجتمع في بيت المصري مؤخرا مع الصهيوني، رجل الأعمال المشهور، رامي ليفي، مالك محلات السوبرماركت في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية، فإنّ المصري ذاته يبدو كما لو رافق مشعل. فهل هي مصادفة أو خطوة بدون دلالة سياسية؟

دخول مشعل غزة انتصار فلسطيني وحمساوي، وطرح حماس استراتيجية عملية الآن سيكون مدخلا لنصر آخر.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 11/12/2012

 

 

الارشيف