استمرارية الوضع في غزة‏

 

ليس في غزة فقط، بل في مجمل الشأن الفلسطيني، يدور السؤال، هل يمكن استمرار الوضع الهش الراهن، مع نزيف فلسطيني على يد المستوطنين والجيش في الضفة الغربية، والاعتداءات المستمرة في غزة، واستمرار المعاناة بسبب الحصار؟ وتطرح المواجهات الحالية في غزة السؤال هناك بقوة أكبر، فاستمرار الوضع الراهن بات يتحول إلى كلفة عالية جدا بشريا وإنسانيا.

تحتمل المعادلة التي اختارتها قيادة "حماس" شقّين؛ الأول، استمرار "التهدئة مع إسرائيل" قدر الإمكان، والثاني، الاستمرار بالحكم في غزة، دون انتخابات، أو تسويات سياسية فلسطينية داخلية، بانتظار تغيرات إقليمية، وسقوط ذاتي لحركة "فتح".

مع إسرائيل، تريد "حماس" الانطلاق من فرضية، أنّ القطاع محرر، وبما أنّه محرر فلا حاجة لأن يكون قاعدة انطلاق للمقاومة، رغم الاستمرار في رفع شعار "فلسطين من البحر للنهر". وكلما حدث تصعيد مع إسرائيل، سارعت قيادة "حماس" لطلب وساطة إقليمية للعودة إلى التهدئة، والاتصال مع باقي الفصائل في غزة للتهدئة. والنتيجة حلقات متتالية من التصعيد، يذهب ضحيتها مدنيون فلسطينيون بالدرجة الأولى، ولكن مع عودة كتائب القسّام، الجناح العسكري، لحماس للاشتراك في الرد على الهجمات الإسرائيلية، فالوقوف على الحياد مكلف للغاية شعبيا. وهناك قوتان أساسيتان تهددان بكسر حالة حلقات المواجهة هذه، الأولى، إسرائيل التي لن يرضيها تنامي وجود عسكري إلى جانبها، حتى لو كان محدود القوة الهجومية، وحتى لو لم يُستخدم إلا في الرد على العدوان الإسرائيلي، خاصة وأنّ الصواريخ الفلسطينية تربك بالفعل الحياة للإسرائيليين في محيط قطاع غزة. والقوة الثانية التي قد تخلّ بمعادلة "حلقات المواجهة\ التهدئة" وإيصالها لانهيار شامل، هو فصائل وقوى المقاومة صغيرة الحجم في غزة، المتمثلة في الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والمجموعات السلفية المتزايدة.

جاءت الحلقة الراهنة من المواجهة، بعد عملية فدائية ضد "جيب" عسكري إسرائيلي، وهو ما يعني أننا إما سنشهد حالات من المواجهات المتكررة التي تبدأ بعمليات فلسطينية، تؤدي لاحقا إلى دخول عدد أكبر من الفصائل، بما فيها "حماس" في "روتين" الرد الصاروخي على "روتين" الهجمات الإسرائيلية. وهذا ما يؤدي في النهاية إلى عملية إسرائيلية واسعة. أو سنرى تدخلا من قبل حركة "حماس" لمنع هذا النمط من العمليات، تماما كما منعت المبادرة لإطلاق الصواريخ، إلا في إطار الرد على الهجمات الإسرائيلية.

في المستوى الفلسطيني الداخلي، أصيبت "حماس" بخيبة أمل كبيرة من سياسات النظام الجديد في مصر، وبدا أن المراهنة على حل من الخارج غير واقعي. ولكن دخول قطر في المشهد أحيا الأمل بانفراجات، وبأن يتم تقاسم وظيفي بين قطر ومصر، بشأن غزة، بوجود الحكومة الحالية. وتنبئ خطوات حكومة "حماس" في غزة، بدءا من الاتفاقيات الدولية التي تبرمها مع دول مثل تونس وقطر، وزياراتها، ورفضها المطلق لعمل اللجان الانتخابية، ولفكرة الانتخابات، وغيرها، المراهنة على الاستمرار طويلا في الوضع الراهن، بل إنّ التهدئة "الحمساوية" تشمل الضفة الغربية، وعدم استعجال أي تغيير فيها، سواءً على صعيد العلاقة مع أو ضد السلطة هناك، أو حتى على شكل مقاومة منها ضد إسرائيل. وفي الوقت نفسه لا تتسامح "حماس" مع أي صوت معارض في غزة، حتى لو كان على شكل مسيرة نسائية محدودة ضد الانقسام، كما حصل قبل أيام. وبالتالي فستبقى "حماس" ترفض التسويات السياسية الفلسطينية الداخلية بالمطلق، مع الانتقال من رهان قصير الأمد على حكم إخواني في مصر، إلى فكرة إعطاء مهلة، حتى تستقر الأمور للإخوان، ويمسكون مفاصل الدولة المصرية، وغيرها من الدول، وهو ما يعني عمليا أمرا واقعا جديدا لغزة، ومراهنة على تحولات إقليمية بعيدة المدى.

لا يجوز تحميل "حماس" مسؤولية وضع غزة وحيدة، فمجمل منظومة العمل الفلسطيني، باتت عقيمة، ولا يمكن تجاهل أنّ القيادة في "فتح" أيضا ليست مستعدة لخطوات كبيرة و"مغامرات" بغرض فرض المصالحة.

إلى ذلك تبدو إسرائيل بعدوانيتها سببا محتملا لخلط جذري لكل الأوراق، كما أنّ صبر الشعب الفلسطيني على حالة عدم الوضوح والنزيف الصامت الراهنة، ربما تؤدي إلى خلط الأوراق وفق ديناميات فلسطينية شعبية غير متوقعة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 13-11-2012

الارشيف