هل جاءكم نبأ الخليل؟‏

 

تطرق باب عائلة في الخليل، فتستقبلك سيدة المنزل، مرتدية ملابس الصلاة، وتدعوك للدخول.. تسأل عن صاحب البيت، فتخبرك أنّه غير موجود، وتعيد ومِن حولها أبناءها دعوتك للدخول.. تطرق بكلماتها وشموخها في نفسك تقاليد العرب، الذين يفتحون بيوتهم دائماً، والسيدات سيدات البيت.

تنظر إلى الأعلى لتجد "الشَبَك" الذي وُضع للحماية من قاذورات الإسرائيليين، المتساقطة من الأعلى حيث احتلوا الشوارع والطبقات العليا من منازل احتلوها.

تميل الشمس إلى الغروب.. تسير في أراضي تل الرميدة المطلّة على المدينة القديمة، حيث يتغلغل المستعمرون سرطانا بين البيوت العربية.. تلفتك إشارات بألوان مختلفة موشومة على الأسوار والصخور بطريقة متسقة: خطّان أبيضان يتخللهما خط أخضر أو أزرق، فتسأل: ماذا يعني هذا؟ يخبرك قائد "شباب ضد الاستيطان"، عيسى عمرو، هذه إشارات للمستعمرين أو لأي يهودي ليعرف طريقه، فالخط الأخضر يوصله إلى جنود ونقطة عسكرية، والأزرق إلى بيت مستعمِر.   

تصعد الطرقات، تسمع أطفالاً يتحلقون وقد حلّ الظلام، حول جندي، يضحك عيسى ويمازحهم!. أسأله ماذا يحدث؟ فيخبرني أنّ الأطفال يهزَؤون بالجندي، ويستثيرونه، ويسألونه بالعبرية "لماذا اللعب ممنوع هنا؟". والجنود يقومون بمهمة غريبة؛ فهم عسكرٌ يحمون صِبية المستعمرين من كل الأعمار، متخذين من سطوح  البيوت والأزقة جبهة لهم.

نقف ويقف أهالٍ يحملون أكياسا بلاستيكية كأي عائد من التسوق في أي بلد.. نتحدث مع أبناء عائلة أبو عيشية.. وحديثهم كأنه عن خطة معقدة: كيف يمكن إدخال مواد لإصلاح البيت وترميمه!. فدخول عامل إلى البيت بحاجة إلى قرار عسكري، وأن تدخل مواد بناء قضية أمن قومي.

تحاصر البيت أربع مستعمرات: بيت هداسا، وبيت رومانو، وأبراهام أفينو، ورامات يشاي. يسمى البيت، بيت القفص، لأنه محاط بالشِباك. يعاني أهله كبيرهم وصغيرهم اعتداءات المستعمرين، سيدة البيت كما قالت للتلفزيون، تعاني قيام "الجيران" المستعمرين برمي القاذورات باستمرار، تفتح الشباك، لتعود بعد قليل وتجد الستائر متسخة بالبيض! 

يواجه الحاج محمد أبو عيشة المخرز؛ يأتونه سائلين، كم تريد ثمنا للبيت؟ يرد: أنا أشتري ما اغتصبتوه من بيوت.. يراقبهم المستوطنون، فيردون بتركيب كاميرات وبتصوير المستوطنين،  لتصبح الرقابة باتجاهين.

يعتذرون أنه لا يمكن دعوتك إلى كوب شاي في المنزل القريب، فهذا "ممنوع"، وتمر ثلة من الجنود راكضين، وينظرون إلينا.

هل للصُدف معنى، أن يستشهد أول أمس أحمد السلايمة، في يوم عيد ميلاده، في اليوم الذي يدفع البعض للفنادق مبالغ إضافية لحجز قاعة لزفافهم في اليوم المميز 12\12\12، وهو الذي ولد 12\12\95؟

ستبكيه أمه وهي تشاهد صورة كعكة عيد الميلاد والاحتفال الذي أقامه في المدرسة، ولم يكن يعرف أنّ هذه ستكون صورة الشهيد التي تُوزع.. وستذكر أمه كعكة الفتى التي يمّم وجهه لإحضارها، ليحتفل ثانية. هل كان يريد أن يأخذ من الحياة كل فرح ممكن قبل أن تعاجله مجندة بالطلقات؟!

لا تنفصل خيالاتي للأم المكلومة، عن الصراخ المرّ لأم عبد السلايمة، عندما اعتقله الجنود قبل أسابيع، فصرخت وأنّت وهاجت وهي تنوح "ابني..  بدي ابني"، حتى اعتقلوها وقيدوها على مرأى الكاميرات..

هل هي صدفة أنّ السلايمة في الخليل أول شهداء الدولة، التي لن تذهب للمطالبة بحقه في المحكمة الجنائية الدولية، وأنّه من ذات المدينة التي أرسلت أحمد الجعبري قائدا في غزة فاغتالوه، فانتفضت الضفة احتجاجا، فارتفع رشدي التميمي، المتحدر من عائلة من الخليل، شهيدا في رام الله.

يعرف الأهالي الجندية القاتلة.. روايتها السخيفة مثيرة للاشمئزاز؛ تّدعي فيها أنهم طلبوا من الفتى هويته فأخرج ما اتضح أنه مسدس لعبة، ووجّهه لرأس جندي.

الشباب يرون أن ما يحدث في الخليل لا ينفصل عن مشاهد وُثّق أحدها عن شباب كفر قدوم، وهم يهزمون الجنود بالحجارة ويلاحقونهم، وعن تصريح وزير خارجية إسرائيل، أفيغدور ليبرمان، أن أفراد الشرطة الفلسطينية الذين ضربوا الجنود مؤخرا لا يجب أن يبقوا أحياء..

استمرت عربدة الجنود بعد مقتل محمد؛ يخبرني شهود عيان أنهم أجبروا صحافيين على خلع ملابسهم إلا الداخلية منها عندما هرعوا إلى موقع الحدث. الخليل، برميل بارود، لا يعرف أحد متى ينفجر!...

 

نشر بالغد الأردنية بتاريخ: 14/12/2012

الارشيف