موسم الزيتون الفلسطيني.. فرح وتوتر‏

 

تبدو أشجار الزيتون في فلسطين، في هذا الوقت من العام، جزءا من لوحة أخّاذة؛ فعدا عن الشجر المعمّر، يميل لون الأرض إلى الورديّ مع عشب خفيف متناثر متباعد.

تسير في معرض رام الله للكتاب، قُبيل أمسية تشارك فيها القاصّة الأردنية بسمة النسور، مستشعرا جمال فكرة حضور بسمة في رام الله، كما تستشعر جمال وجود الناشر السعودي الذي يستند إلى عكّازه، يصعب أن تعرف أنّه ليس فلسطينيا، فهو يرتدي البنطال والقميص، ويحتسي القهوة في المقهى المتواضع، ويتناول "معجنّات" مخبز "أم ياسين"، التي تعلق صور شهداء ممن كانوا يعرفون بيتهم في الجبل الأخضر، في عمّان، عنوانا للقاء فدائيي الأرض المحتلة والشتات، ولديها الآن مخبزٌ يقدّم "مناقيش" الزعتر، و"معجنات" الجبن بالزعتر الأخضر.

يعتقد الناشرون، ويخبرونك، أنّ أسباب انخفاض الإقبال على المعرض؛ تأخر الرواتب، وانشغال الفلسطينيين بموسم الزيتون.

فتاة يافعة من تونس، تبادر كاتبة وأكاديمية فلسطينية عالمية بهدية، تُفاجأ الأخيرة، وتستأذن بفتح الهدية، فإذا بها إطار خشبي بالغ الأناقة لصورة الفتاة مع الأكاديمية.

تسأل ناشرا مصريا، كيف تمكنت من الحضور؟ كيف حصلت على "الفيزا"؟ يجيبك: "أعوذ بالله، لا آخذ فيزا، بل بتصريح بواسطة السلطة"..

في اليوم التالي يتحسن عدد حضور المعرض، ربما لأنّ جزءا من الرواتب تم صرفُه.. الأمسية اليوم لسميح القاسم..

فتاة متحمسة، لهجتها نتاج المزيج التقليدي لفتاة من رام الله، عاشت في الولايات المتحدة الأميركية، تعرض لك صورا عن مشاركتها في قطاف الزيتون، فقد خططت لشهور لتكون في فلسطين، في موسم القطاف، قضت أياما متفرغة للزيتون، وقادها التنسيق مع إحدى الحملات الشعبية الدولية لحماية موسم الزيتون إلى بيت ساحور، جنوب وسط الضفة الغربية.

يلقي سميح القاسم قصائده، ويضحك الجمهور إذ يقول: إنّ عمره 25 عاما، و25 عاما، و30، ويقول، أطال الله في عمره، إنّه هكذا لا يشعر بالرقم الحقيقي.. ويتحمسون إذ يقرأ: "وكم كان لي أن أحب البنات القليلات في الثانوية، لأنّ خروج البنات من البيت من نصف قرن مضى كان حقا قضية، وكل القضية، وكنا لخمسين جلفاً هنالك بنتاً وحيدة وكانت سعيدة، فحين تطل علناً صباحاً يرن على وقع صندلها الحلو خمسون قلباً، ومن كل قلب تهل عليها قصيدة، وكانت تمر بنا باحتشام وغض النظر، وكانت سعيدة، بغض النظر".

تلتقي في اليوم التالي الأكاديمية الفلسطينية الآتية من الولايات المتحدة، والتي خصصت جزءاً من إجازتها السنوية، لتشارك أهلها "جْداد" الزيتون.

في الخليل يخبرك تجمّع "شباب ضد الاستيطان" عن صدامات مع مستوطنين يسرقون الزيتون، ويدخل الشباب معركة يتسلحون فيها بآلة التصوير، ووسائل الإعلام المجتمعي، وأجسادهم، وهم يتصدون للمستوطنين والجيش الباحث عن طريقة لترك المستوطنين يفعلون ما شاءوا، وأخيرا ينسحب المستوطنون يجرون أذيال الهزيمة..

في العيزرية، تشاهد سيدة من البلدة عاشت عمرها في الكويت، تعمل مدرّسة هناك، وتقيم في عمان، وجاءت تشارك في موسم الزيتون.

يخبرك المزارعون الذين تقع كرومهم غرب الجدار، أو في مناطق عسكرية، أي قرب المستوطنات، كيف يُحال بينهم وبين أرضهم.. يطلبون تصاريح لدخول أرضهم يُرفض نحو نصفها، وإذا وصل الأهالي إلى زيتونهم فإنّهم بعد قطافه يعانون مشاكل نقله، مع منع المركبات من الوصول، وفي حالات انتظر المستوطنون قطاف الزيتون، وتركها في أكياس كبيرة تمهيدا لنقلها للمعاصر فسرقوها، وتتحدث مصادر فلسطينية مختصة عن نحو نصف مليون شجرة زيتون أتلفت واقتلعت منذ بداية القرن.

يصر الفلسطينيون على موسم الزيتون بما فيه من أهمية اقتصادية واحتفالية عائلية وشخصية، فهو أحيانا مقدمة حفل زفاف ينتظر جني المحصول وبيعه.. وعطلة رسمية للجامعات والمؤسسات للتطوع للقِطاف.. وتخصيص الموظفين جزءا من إجازاتهم السنوية للمشاركة في القَطاف.. وزيارات المتضامين الدوليين.. ومواجهات مع فرق المستوطنين الموسمية المتخصصة في تخريب الموسم، وسرقة الزيتون، ومنع الفلسطينيين من القِطاف.

عندما تتأمل حبات الزيتون الفلسطيني، أو تشتري الزيت، عليك توقع قصة إنقاذ معقدة لهذه الثمار، وأن تتأمل فصلا من فصول المواجهة البعيدة عن شاشات الفضائيات، والمؤتمرات الصحافية.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 8-11-2012        

الارشيف