ثمن اللامساواة.. الهوامير والزمارير‏

 

قبيل قيام الثورة التونسية،  نهاية 2010، كان هناك تغنٍّ بنسب النمو الاقتصادي في تونس، وحتى في مصر هناك من احتفل بنمو اقتصادي مرتفع، في سنوات سابقة.

كثيرا ما تتحدث الدول عن نسب نمو مرتفعة بينما تشعر الشعوب أنها تعيش ضنكا.. يكمن السرّ في تفاوت النظرة الرسمية والشعبية إلى الأمر، في مسألة "عدم المساواة"، فالنمو يكون عادة لصالح طبقات أو أفراد محددين، متحالفون مع "عُصبة" الحكم العائلية المحدودة.

في كتابه الأخير، "ثمن اللامساواة: كيف يُهدّد مجتمعنا المنقسم اليوم مستقبلنا"، يسعى جوزيف ستيغلتز، الاقتصادي الأميركي الفائز بجائزة نوبل عام 2001، والخبير السابق في البنك الدولي، لتوضيح دائرة اللامساواة في الاقتصاد، التي تؤدي إلى عدم الاستقرار. وقد لخص كتابه بمقالات عدة مؤخرا، أعتمد عليها اليوم.

يرتبط عدم الاستقرار الذي يقصده ستيغلتز، بأزمات مالية في الحالة الأميركية، التي يهتم بها حصرا في مقالاته، ولكن نظريته تفيدنا في توضيح كيف نصل الثورة في البلدان العربية.

"دائرة" ستيغلتز، تلخص عمليا، حتى إن لم يقل هذا، أفكار من يُعتبرون رموز اللبرالية الجديدة، من أمثال ميلتون فريدمان. فالادّعاء أنّ السوق الحرّ ينظم نفسه بنفسه ولا حاجة للقوانين والأنظمة، يترجم نفسه عمليا من قبل رجال الأعمال بطريقة أقل تهذيبا، إذ تقوم الشركات بفضل علاقتها مع السياسيين، وبتمويلها حملاتهم الانتخابية، أو حتى بفضل تحولهم هم أنفسهم إلى أعضاء في البرلمان، كما رأينا ونرى في دول عربية كثيرة، وكان أحمد عز وغيره نماذج بارزة في مصر، هؤلاء لا يضغطون فقط لتكون القوانين والأنظمة ملائمة لمصالحهم، بل لإلغاء القوانين والأنظمة بحجة "حريّة السوق". وتكون النتيجة زيادة أرباحهم جدا، على حساب الطبقات الوسطى والدنيا، التي تنفق كل ما لديها، والنتيجة في الولايات المتحدة مثلا أن يمتلك 1% من الناس 20% من الثروة، ويسيطرون على ثلث الأموال. والجديد الذي ربما يلفت له ستيغيلتز، ومن وحي الأزمة المالية العالمية الراهنة، أنّ تحالف الرأسماليين والمدراء من جهة والسياسيين من جهة ثانية، لا يتوقف عند ترك الحبل على الغارب لهم للقيام بما يريدون، ومن ذلك القيام بإغراق السوق بقروض استهلاكية، عندما تتضاءل القوة الشرائية للمستهلكين، بل وعندما تحدث الأزمة والانهيار، يتم تبني خطط لإنقاذ "الهوامير" من جيوب "الزمارير" (صغار السمك). يقوم السياسيون، عند الأزمة، بفضل تحالفهم مع رجال المال، بتجاهل أمور كثيرة منها ضرورة رفع الضرائب على هؤلاء "الحيتان"، ومحاسبة من تورط بالكذب والتضليل وبعض أنواع الفساد المستتر، وإن لم يكن رفع الضرائب فعلى الأقل سد الثغرات الضريبية والمالية التي يهربون منها، وبدل ذلك يقوم السياسيون بترتيب خطط إنقاذ تمول من أموال دافع الضريبة، فيدفع الذي يأخذ راتبا شهريا محدودا نسبة أكبر مما يدفع مليونير. ويتم تمويل خطط الإنقاذ برفع الدعم عن السلع والمحروقات وتقليل فرص التعليم المتساوي، وتقليل الخدمات الصحية.

من النقاط التي يشير لها ستيغيلتز، وتبدو ذات دلالة في الحالة العربية، أنّه لا تزيد البطالة فقط، وليس عدم المساواة فقط في التعليم والعلاج، بل وحتى في الأمن، فيصبح الإنسان غير قادر على الحصول على أمن من الحكومة. وكما رأينا ونرى في حالات عربية تصبح قوات الشرطة والأمن قليلة الفاعلية، وتحتاج كما كان يحدث في بعض الدول إلى ترتيبات ذاتية للأمن، من نوع البحث عن "واسطة" داخل أجهزة الأمن، وربما "واسطة" مدفوعة الأتعاب، ليموّل الشخص عملية الحماية الخاصة به، رغم أنّه دفع ضرائبه التي تعطيه حقوق المواطنة ومنها الأمن.

يبدو المشهد كما لو كان عصر الأغنياء للفقراء حتى النهاية. البداية تهاون الحكومات في تنفيذ قوانين تأكيد المنافسة ومنع الاحتكار، ثم السماح بخطط تمويل وقروض بقيود قليلة لتوفير أموال لشراء سلع الأغنياء، مما يؤدي لفقاعة استثمار، وعند الانفجار يطلب من الفقراء تمويل الأغنياء مجددا، بالتخلي عن التعليم، والصحة، والأمن، وأمور كثيرة. هذا كما رأينا في حالات عربية أدى لانفجار. ورأينا أن رجال أعمال وعائلات حاكمة لها أذرعٌ وامتدادات استثمارية كانت في صلب غضب الثوّار.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 7-11-2012

 

الارشيف