العقلية الصفرية والسماح لفتح بالاحتفال‏

 

أثناء لقاء إذاعي إبان حرب غزة الأخيرة، ضم عضوا في اللجنة المركزية لحركة "فتح" وآخرين كنت أحدهم، تساءلتُ عن دور "فتح" في الحرب، وأنّها لم تعد في طليعة العمل الفلسطيني، كان الرد أن "حماس" لا تسمح للحركة بالعمل، وأنّه عقب الحرب السابقة (2008\ 2009) تمت ملاحقة عناصر الحركة، ومساءلتهم عن مصادر السلاح. كانت إجابتي أنّه إذا كان الأمر قد وصل بفتح إلى أن تنتظر من يسمح لها أو لا يسمح، فهذا دلالة تراجع تاريخي ما بعده تراجع.

أؤخر منذ أيّام كتابة هذا المقال، لعل الجدل حول السماح لحركة "فتح" بتنظيم حفل ذكرى انطلاقتها الـ 48 في قطاع غزة، ينتهي، ولكنه حتى كتابة هذه السطور كان مستمرا، وبعد تردد وافقت "حماس" أن تسمح "لفتح"، ولكن مع انتظار تحديد "الجهات المعنية" المكان الذي تسمح به.

احتفلت "حماس" بانطلاقتها في مدن الضفة الغربية، دون أن يعكر صفوها شيء. بدءا من الجامعات، حتى المدن الكبرى، وفي كل شارع قررت الاحتفال فيه. وكان المتوقع أنّ يحدث الأمر ذاته في غزة بالنسبة لفتح.

طغى العلم الأخضر الفصائلي لحركة "حماس" على احتفالاتها وسط غياب شبه كامل للعلم الفلسطيني. ولم يتساءل أحد، هل حقا انطلقت "حماس" في نهاية 1987، أم أنّ الاسم كان في عالم الغيب، وأنّ الحركة تأسست حقا في النصف الثاني من عام 1988؟ ليس مهماً، طالما تريد "حماس" أن تحدد تاريخ انطلاقتها بهذا الشكل.

استطلعتُ بعض فعاليات "فتح" ووجدت العلم الأصفر يزحف بقوة على حساب العلم الفلسطيني. ولم يكن لدى "فتح" في الماضي علم، أو بكلمات أدق كان العلم الفلسطيني هو الذي يُرفع في مناسباتها، والفعاليات الوطنية، ولم يظهر العلم الأصفر -على ما أعتقد- إلا في آخر عشر سنوات، وتحديدا بعد انتصار حزب الله في جنوب لبنان، عام 2000، وشيوع علمه الأصفر كثيرا.

إنّ فكرة انتظار "سماح" حماس بتنظيم فتح للفعاليات والاحتفالات، قد يخفي أولا، تخوفا من استعراض عضلات فتحاوي، يُظهر حضورا قويّا في غزة، وقد يخفي رغبة في "إذلال" الكادر الفتحاوي، وإيصال رسالة أنّنا أصحاب الأمر نسمح ونمنع، وقد يخفي خلافا داخل "حماس" حول المصالحة والعلاقة مع "فتح"، ولكنه في كل الأحوال، يخفي عقلية صفرية في العلاقة مع "فتح"، لا ترى إمكانية اللقاء والتفاهم، بل ترى أنّ كل خطوة تكسبها إحدى الحركتين هي خسارة للمنافس. وتريد أن تقول للعالم "أنتم تراهنون على حصان خاسر وعلى قوى الماضي، فنحن الحصان الرابح وقوى الحاضر والمستقبل".

السؤال الموجه لكل من "حماس" و"فتح" أما آن الأوان لوضع النقاط على الحروف، وتنظيم العلاقة بينهما، مع اعتراف كل منهما بعدم إمكانية إلغاء الآخر؟ وسؤال آخر موجه لكليهما أيضا، لماذا يبقى العلم الفصائلي هو الحاضر شكلا ومضمونا وفلسفة؟.

من الأسئلة الموجهة لفتح تحديدا، أليس ناقوسا للخطر، وربما أحد ضربات النهاية، أن تتحول الحركة إلى طرف لا يملك قرار المشاركة في المقاومة، ويحتاج موافقة من طرف ما، لينظم احتفالاته في ذكرى انطلاقته؟!

السؤال لفتح أيضا، أليس واضحا أنّ الحركة فقدت القدرة على تحديد قواعد اللعبة؟ ومن ذلك مثلا الانجرار إلى العلم الأصفر، في مؤشر على انجرار للتنافس الفصائلي، وعدم قدرة على معرفة أنّ قوة "فتح" كانت رفع علم فلسطين، شكلا ومضمونا.

والسؤال أيضا لفتح، بعد كل هذا الجدل عن "احتفال" في غزة، هل يعني ذلك أنّ الحركة ستُخرج مسيرات حاشدة، في كل مكان؟ هل ستخرج الضفة مثلا عن بكرة أبيها؟ وفي الشتات؟ أم أن القضية غزة وحسب؟

أجزم لو أنّ "فتح" تصدت لبرنامج مقاومة وتصعيد حقيقيين، حتى على صعيد المقاومة الشعبية، في الضفة الغربية إبّان، استشهاد الفتى  محمد السلايمة، في غزة مؤخرا، واستمرت حركتها الدبلوماسية في التصعيد، واتضحت معالم بناء داخلي في الحركة، لما كان بالإمكان أن تتعامل "حماس" مع فتح بهذا الاستخفاف، لأنه حينها سيكون واضحا أنّ الزخم الجماهيري يعود.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 20/12/2012

الارشيف