نضال ياسمينة‏

 

تشاء الصُدف أن أستمع وأقرأ وأحضر في الأيام القليلة الماضية سلسة أخبار، ومحاضرات، وكتب، تشترك فيها نساء محررات من سجون الاحتلال يروين تجربتهن.

في المؤتمر الدولي للأسرى في بغداد، وكما نقلت صحف، تحدثت المحررة فاطمة الزق، كيف جاءها المخاض في السجن، فكانت مقيدة إلى السرير، والطبيبة تضربها وتشتمها دون توقف، وتطالبها بالانتهاء، بكل إذلال، وبعد ساعات المخاض التي تخللها نزف، ولد يوسف، فقيدوها ثلاثة أيام ورفضوا منحها غطاءً دافئا، مع أنّ الولادة كانت في كانون ثانٍ، بل وأمعنوا في تعذيبها بتشغيل المكيف البارد.

لفتني في كتاب عائشة عودة "ثمنا للشمس" الصادر حديثاً، حديثها عن طالبات عدة اعتُقِلن أواسط السبعينيات، منهن من جئن من الجامعة الأردنية، مثل نهلة عبوشي، وواجدة عياش، وسناء المصري، وعرفان الشرشير، وناريمان، قبل ذلك دخلت سونيا النمر، وكانت طالبة في جامعة بيرزيت، وهي الآن أستاذة  في الجامعة نفسها، وتروي كيف كانت ماجدة السلايمة، الأسيرة حينها، والحامل، تردد إذا "جاءتني بنت أسميتها فلسطين، وإذا جاءني صبي أسميته فلسطين". وكانت سجينة جنائية إسرائيلية حامل، تتحدى قائلة سأسمي مولودي "إسرائيل". وتضحك سونيا أنهما ذهبتا معا للولادة، فعادت ماجدة بصبي اسمه فلسطين، وعادت الإسرائيلية بطفل اسمه شلومو، فكان انتصارا طريفا.

من أجمل القصص التي روتها سونيا، يوم تفيّأت الأسيرات شجرة ياسمين، في باحة معتقل الرملة، وبدأن بقطف الياسمين والتزين به، فرأتهن آمِرة المعتقل، فساءها أن يجدن بعضا من سعادة، وقالت لا بد من قطع الشجرة. وجاء يعقوب، العامل اليهودي، العراقي الأصل، المواظب على دندنة أغاني أسمهان، خصوصا أغنية "دخلت مرة جنينة"، وبدأ يُعمل مقصّاته ومنشاره في اقتلاع الشجرة، والأسيرات حانقات محتجّات يسألن عما يبرر اقتلاع شجرة. إحداهن فقط رسمية عودة، كانت تبتسم بصمت، وما إن مضى يعقوب وغابت الشجرة، حتى استدارت الأسيرات يستهجن ضحكتها التي أغاظتهن، فأخرجت من صدرها غصن ياسمين خبأته، وأعدن زراعته.

ربما من طبيعة الأشياء أن الإنسان وهو يتذكر محنته يبحث عن الجوانب المضيئة فيها؛ فالذاكرة في كثير من الأحيان تستبعد الألم بعد انقضاء زمنه، وتتذكر الحميمي، والجميل الذي ربما لم تره حينها. أو كما تقول سونيا، كنا حينها نشعر أننا نعيش ظرفا استثنائيا، ولكننا أدركنا لاحقا أننا كنا أيضا نساءً استثنائيات. ولكن تجربة الأسر ليست بأي حال طرفة، أو انتصارات وحسب.

تقول عائشة عودة، التي آمل أن أعود لمناقشة كتاباتها قريبا، أنّها عندما كتبت كتابها الأول، "أحلام بالحرية"، بدأت تداهمها الكوابيس، وظنت أنها لن تتخلص منها إلا بإنهاء الكتاب، الذي يسجل جزءا من سيرتها، وتخيلت أنّها ستخرج من تلك الحالة، بدخول الكتاب المطبعة، لتلتقط أنفاسها وتبدأ الجزء الثاني، ولكن الأمر لم ينجح، واستغرقها الأمر نحو سبع سنوات حتى تبدأ العمل في الجزء الثاني، وانصرفت لكتابة مقالات وقصص قصيرة، قبل أن تؤسس مع أخريات "رابطة نساء أُسرن من أجل الحرية" أنشأنها لمواجهة ومناقشة تجاربهن. رغم ذلك يعج كتاب عائشة بمشاهد جميلة، وتقول إنّها عندما تحررت عام 1979 في صفقة تبادل أسرى،  كانت محكومة بمؤبدين وعشر سنوات، خيّبت أمل الصحافيين، الذين أرادوا الحديث عن التعذيب في الاعتقال، وأصرت على حديث الصمود، وتضيف: بدورهم خيبوا أملي فقوّلوني بما كتبوا، ما لم أقل عن التعذيب. وتقول إنّ فضائية عربية طلبت إجراء لقاء معها عن تجربتها، فاشترطت عدم ذكر التعذيب، لكن عندما بدأت المقابلة التي كانت بثا على الهواء، بدأت الأسئلة تنصب على التعذيب.

هي وهن، يردن الصمود باقتناص الجمال.. بالميلاد.. وهي تقول لا تتحدثوا عن أدب سجون أو الأسر، بل عن أدب المقاومة والحرية..

استوقفني تعليق أستاذ في الأدب العربي في ندوة عن كتاب عائشة، قائلا: "الغزاة لا يملكون الزمن ليقفلوا الأبواب".. وهن يقلن نحن كنا موقنات أننا سنخرج، وأن الأسر زائل، رغم الأحكام العالية..    

ودرويش يُغنّينا:

نُحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا..

ونسرق من دودة القزّ خيطاً لنبني سماءً لنا ونُسَيّج هذا الرحيلا..

ونفتح باب الحديقة كي يخرجَ الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلاً..

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ:21/12/2012

            

الارشيف