العلاقة الأردنية-الفلسطينية.. تصريحات القدومي وعلمٌ في سيارة أجرة‏

 

يبدو التصريح الذي نقلته صحفٌ عن السيد فاروق القدومي بخصوص علاقة الأردن بالضفة الغربية لوهلة غريبا، كما لو كان من الماضي، وكأنّه من الحتمي إثارة زوابع من حين لآخر في هذا الشأن، ولكن الرجل من جهة أخرى، دأب في السنوات الأخيرة على الإدلاء بتصريحات تثير زوابع ثم يتراجع عنها ضمنيا أو صراحة، لم يعد هذا غريباً.

وُصف القدومي في الخبر بأنّه رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير، وهذا وصف من الماضي، فالرجل لم يعد عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يعد عضوا في اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وعمليا لم يعد هناك ما يسمى بالدائرة السياسية، فقد كانت تقوم في الماضي مقام وزارة الخارجية، وهو أمر أنهاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لصالح وزارة الخارجية في السلطة الوطنية الفلسطينية، والتمسك بالمسمى من قبل القدومي هو نوع من إعلان رفض السياسات والقرارات الجديدة. لا زال القدومي نظريا عضو لجنة تنفيذية في المنظمة، ولكن موقع المجلس الوطني الفلسطيني، على الانترنت، يكتب أنّه "لم تسند إليه مهام" والقدومي لا يحضر اجتماعات اللجنة أبدا، لأنه لم يدخل فلسطين.

يقول الخبر أنّ القدومي رحب بمقترح أخير لعودة الضفة الغربية إلى الأردن، في إطار اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي، على أن تُستعاد الضفة كاملة على حدودها قبل عدوان 1967، والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني في العودة. وقُدم الخبر كما لو كان هناك اقتراح فعلي بشأنه.

قبل سنوات زارني في بيتي في عمّان، صحافي وصحافية من صحيفة "نيويورك تايمز"، وكان السؤال ذاته، يومها ذكر مسؤولون أردنيون سابقون في ندوة عامة شيئا عن خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية ومستقبلها، وجاء الصحفيان يستطلعان إن كان هناك المزيد من المعلومات والتحليلات، بدت إجابتي مخيبة للآمال، فقد قلت إنّ هذه "الزوابع" متكررة وبدون أسس سياسية تدعمها، وهي أفكار وآمال لا تصل مستوى رسميا أو عمليا، شعرت بخيبة أملهم، وأنهم شعروا أنهم أضاعوا وقتهم معي، وكانت عيونهم تقول إنك لا تعرف شيئا.

بعد أن خرجا تذكرتُ أني نسيت أن أذكر لهم قصة من الماضي ربما تعطيهم ما ينشرونه؛ وقد نشورا فعلا تقريرا دوني رأيي، تذكرت حديثا مع القيادي الفلسطيني السابق، الراحل هاني الحسن؛ فعندما تسربت أنباء اتفاقيات أوسلو شن الحسن هجوما على المفاوضات واعتبر مهندسي الاتفاق "تيار حزب العمل الاسرائيلي" في القيادة الفلسطينية، ويومها أكد على خيار التنسيق والانفتاح على تطوير العلاقة مع الأردن بديلا عن فكرة السلطة تحت الاحتلال. كانت مجرد فكرة ورأي شخصي.

أي شيء في العلاقة الأردنية الفلسطينية يبدو قابلا للتضخيم والتضخم والاستغراب دائما، وأذكر أني مارستُ شيئا مثل هذا؛ استقلّيت مرّة في الضفة الغربية سيارة أجرة، زيّنها سائقها بعلَمين أردنيين صغيرين، سألته عن معنى هذا! تمتم بكلمات غير مفهومة، كأنه لم يفهم السؤال، أو كأنه لا يوجد معنى. يومها شعرت أني أيضا أحاول فهم كل جزئية رغم أنّها قد لا تكون ذات دلالات. لم أستبعد أن السائق حصل على العلمين في زيارة لأقاربه في عمّان أو الزرقاء.. لم أستبعد أنها تعبير عن رحلة سعيدة قضاها في العقبة أو الضفة الأردنية من البحر الميت!

خصوصية العلاقة الشعبية واضحة وكبيرة في التداخل الديموغرافي، وتاريخ علاقات الضفتين؛ فمثلا لا تطلب مؤسسات تعليم عالٍ فلسطينية اعتمادا خاصا للشهادات الأكاديمية إذا كانت مصدقة من وزارة التعليم العالي الأردنية، واستبدال فلسطيني لدى مراجعته الدوائر الفلسطينية المعنية، رخصة قيادة فلسطينية بأردنية، يحتاج ربع ساعة أو أقل، وسلاسة هذه الإجراءات وغيرها تشير إلى تاريخ احترام المرجعية الأردنية في الضفة الغربية.

خصوصية علاقات الضفتين واضحة شعبيا وإداريا، ولكن مسألة عودة الضفة لا تثار عمليا إلا على المستوى غير الرسمي، وربما لأنّ القدومي لم يعد عمليا، رسميا، أصبح ممن يثيرون القضية، أمّا رسميا فالأمر غير مطروح. وواقع الاستيطان في الضفة الغربية، يجعل أي حل ذو علاقة بفكرة السيادة أمرا بعيدا المنال.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-11-2012

الارشيف