إذا لم يكن العربي هو المشكلة فإن الإسرائيلي هو الحل‏

 

كلما قتلت رصاصة مدنيا، في العالم، وخصوصا في الغرب، فإنّ الفرضية الأولى هي وجود يد لمسلمٍ أو عربي. لم يختلف شيء على مدى عقود، إلا أن الاتهام لم يعد يوجه للفلسطينيين بطريقة تلقائية، كما في الماضي، بل أصبح البحث عن الأصولية وأصبحت "القاعدة" هي الخيار التلقائي لافتراض المسؤولية عن أي حدث.

في الأيام الفائتة بثت كبرى محطات التلفزة الأميركية، مثل ABC وNBC، ونشرت صحفها الأهم، مثل واشنطن بوست، جدلا قوامه دعوة اللوبي الداعي لزيادة استخدام المدنيين في الولايات المتحدة (الجمعية الوطنية للبندقية)، السلاح في حماية المدارس، مستشهدين بالنموذج الإسرائيلي، في حماية مدارسها من الإرهاب. بطبيعة الحال تأتي الدعوة بعد حادث إطلاق النار في 14 من الشهر الجاري، في مدرسة ابتدائية بولاية كونتيكيت الأميركية، قتل فيه 26 شخصا أغلبهم من الأطفال.

لسان الحال في هذه المعادلة أنّه إذا لم يكن أعداء إسرائيل هم المشكلة، فلا بأس من القول أنّ الإسرائيليين يقدمون للطفل والمواطن الأميركي الحل، في آلية تجعل، بطريقة غير مباشرة، الإسرائيليين جزءا من ضحايا المدرسة، وأعداءهم كأنهم في ذات التصنيف للمجانين الذين يستهدفون المدرسة الأميركية دون سبب. قدم الأميركيون الذين دعوا لاستخدام النموذج الإسرائيلي، دعاية مهمة للإسرائيليين، الذين بدورهم التقطوا اللحظة وقاموا بكثير من الترويج لأنفسهم. مسؤول اللوبي المذكور، "واين لي بيير" سرد للإعلام قائمة طويلة جدا من العمليات التي قالوا إنها إرهاب ضد مدارسهم وشبابهم، دون أي ذكر للإرهاب اليومي ضد الطفل الفلسطيني في مدرسته. أو ما الذي يفعله سلاح المستوطنين بالفلسطينيين كل يوم. أشار بيير لحالات الهجوم ضد طلبة إسرائيليين في أكثر من وسيلة إعلام، كما لو كانوا يقرؤون من ورقة معدّة سلفا، فقد ذكروا عملية "معالوت" عام 1974 قرب الحدود اللبنانية، ثم تحدثوا عن عملية في مدرسة دينية عام 2008 (ونشرت الصحف صور تذكر بهذه العملية)، ثم عادوا وقالوا أن تسليح المدارس لم يحدث إلا عام 1995 بعد عقدين من عملية معالوت، وعامين من حادثة طُعن فيها خمسة تلاميذ وأستاذهم بالسكاكين في القدس، إذن رُسمت صورة كاملة من الإرهاب الفلسطيني، وتم ربطها بالقتل الجنوني الذي شهدته كونتيكيت.

 ويرد الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية، ييغال بالمور، فيكمل المشهد بأن يعارض الدعوة للتسلح في الولايات المتحدة، ليظهر الإسرائيلي بأنه مسالم رافض للسلاح، وأنّه مضطر بشدة للإجراءات التي يقوم بها، إذ أنّ الوضع بحسب بالمور "لا يقارن أبدا بالولايات المتحدة"، وليقول "نحن نحارب الإرهاب الذي يأتي تحت ظروف محددة جدا جيوسياسيا وعسكريا". ويقول لأنّ الهدف هو منع الهجمات الإرهابية فإنّ نظام الأمن في المدارس هو جزء من استراتيجية متعددة الطبقات، تركز على الوقاية، ولا تعتمد على حارس مسلح على الباب. وأشار للنشاطات الاستخباراتية، بل وأصبحت حماية أطفال المدارس هي التي تبيح استراتيجية "جمع مكثف للمعلومات الاستخباراتية في الأراضي الفلسطينية (جيد أنه اعترف أنها فلسطينية)، وقوة عسكرية كبرى في الضفة الغربية، وحواجز وأبراج اسمنتية وجدران الكترونية، على طول وداخل الضفة الغربية لتوفر خط حماية أول". ولتقول "واشنطن بوست" إن سياسات الإسرائيليين في تقييد حمل السلاح "بعيد عن الصورة أن المجتمع (الإسرائيلي) مسلح بكثافة حيث للناس العاديين ترسانتهم"، وتسرد الصحيفة قيود حمل السلاح في إسرائيل.

لا يوجد خطاب شيطاني كهذا يربط بين الاحتلال وقتل أطفال أبرياء في بلدة أميركية، ويخفي من المشهد خمسمائة ألف مستوطن أغلبهم مسلحون، ومؤدلجون، ويعتدون كل يوم على البشر والحجر في فلسطين، ولكنه خطاب يعكس شبكة إعلامية وجاهزية دبلوماسية إسرائيلية. هل يتذكر أحد من هو الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الفلسطينية؟ شخصيا أتابع الإعلام فيما يتعلق بفلسطين كل يوم منذ سنوات طويلة، أعرف متحدثين باسم "فتح" و"حماس"، يخصصون أغلب وقتهم لمهاجمة بعضهم بعضا بلغة عربية طلقة، ولا أعرف اسم متحدث فلسطيني يخاطب الإعلام الغربي. هل هناك جهة ستحتج على هذه التقارير التي لم تأخذ رأي فلسطيني رسمي أو غير رسمي؟ هل هناك من يهتم؟   

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 26/12/2012

 

الارشيف