الزيارة القطرية إلى غزة.. اختلاط الأوراق والأسئلة!‏

 

يمثل التحالف، أو العلاقة الخاصة جدا، بين حركة "حماس" ودولة قطر، تحديّا للباحثين والمراقبين في مجال الحياة السياسية والعمل السياسي، فزيارة أمير قطر مؤخرا إلى غزة تخلط الكثير من الأوراق وتطرح فرضيات حول خريطة مواقف السياسية في المنطقة، وتهدم أخرى، وما هو ممكن وما هو غير ممكن، حتى على مستوى الإيديولوجيا والمبادئ السياسية. وسيزداد خلط الأوراق إذا ما صدقت التقارير التي تتحدث عن زيارة لملك البحرين إلى القطاع.

يمكن الحديث عن أربعة مجالات أساسية للتفكير والمراجعة في ظل الزيارة؛ أولها، أُسس السياسة الخارجية الحمساوية، ثانيها، تقييم الدبلوماسية في الضفة الغربية، ثالثها تقسيمات الممانعة والاعتدال، ورابعا معنى هذه الزيارات للقضية الفلسطينية.

بداية بات على الشعب الفلسطيني وأنصاره رؤية الفصائلية تطغى على كل شيء، فيكون هناك سياسة خارجية في القطاع مختلفة عن السياسة الرسمية الفلسطينية عموماً. ولكن زيارة أمير قطر، هي بكل المقاييس، نجاح لسياسة "حماس" الخارجية في مد خيوط علاقات دولية، يبدو أنّها تؤدي إلى مكاسب ملموسة على صعيد الحياة اليومية، وتعزز مكانة الحركة في غزة. ولكن الزيارة تعكس في الوقت ذاته براغماتية "حماس" العالية وعلمانية علاقاتها السياسية الخارجية، وواقعيتها، فالحركة لا تضع قيودا أو شروطا أو محددات على نوع الأنظمة الداعمة لها، وتقبلها من إيران الولي الفقيه، ومن قطر ذات العلاقات السياسية القوية مع "الناتو" والولايات المتحدة الأميركية، ويصف رئيس حكومة "حماس" اسماعيل هنية الأمير القطري بأنّه "رجل عظيم".

إلى ذلك تشير الزيارة إلى فشل في رام الله، ليس لأنّ حكومة السلطة الفلسطينية هناك، ومنظمة التحرير الفلسطينية، صارت تنشغل في مراقبة تنامي علاقات "حماس" الدولية فتُفشلها حينا، وتحد منها حينا، وتَفشل في ادعاء وحدانية التمثيل تارة ثالثة، (كما يحدث في غزة والزيارة القطرية) ذات الدلالات السياسية وليس الإنسانية فقط، ولكن ربما يحق للمواطن الفلسطيني المنشغل بحديث الرواتب في الضفة الغربية، أن يسأل هل قدرة سلام فياض، رئيس حكومة الرئيس محمود عبّاس، أقل من هنية، في اجتذاب الدعم العربي. ربما تَرُد مصادر حكومية في رام الله بأنّ الدعم الدولي والعربي لا زالا يمران عبر رام الله، بالدرجة الأولى، وأنّ الأخيرة تحمل جزءا كبيرا من عبء غزة، ولكن أمام ما تنقله عدسات الكاميرا من زيارات دولية إلى غزة، وأمام غياب أي أخبار عن مشاكل رواتب أو مشاكل مالية في غزة (سواء أكانت موجودة أم لا)، سيؤدي إلى تساؤلات حول نجاح الدبلوماسية في رام الله، ويتطلب إجابات محددة. فمثلا لماذا لم تكن زيارة أمير قطر للضفة والقطاع معا، وضمن برنامج موحد؟! وما هي حقيقة الدعم العربي؟ وعلى سبيل المثال يلف الغموض علاقات السلطة مع الإمارات التي كانت من أهم داعميها في الماضي، ما هو أثر وجود محمد دحلان هناك على هذا الدعم؟.

من ناحية ثالثة، تطرح الزيارة أسئلة صعبة، من حيث معاني الممانعة والاعتدال والمقاومة؛ فإذا كان قادة الدول "المتهمة" بعلاقات خاصة مع الغرب والناتو وواشنطن هي التي تبادر إلى زيارة غزة، ودعم وجود "حماس"، ضمنا أو صراحة، هناك، فإنّ هذا لا يتحدى فكرة التصنيفات التقليدية للأنظمة، ويتحدى فكرة من يرى عدم استقلالية هذه الأنظمة، أو أنّه يطرح فرضية أنّ الدول الكبرى، وتحديدا الولايات المتحدة، يمكن أن تتعايش مع وجود "حماس" وحصولها على دعم ومساعدات من دول تتحالف معها في أماكن أخرى. وأنّ "حماس" يمكن أن تتعايش وتتعاون مع هذه الأنظمة.

رابعاً، وأخيرا، مثل هذه الزيارات تطرح أسئلة، عن الأسباب الحقيقية للشكوى الفلسطينية المستمرة من ضعف الدعم العربي ماليا ودبلوماسيا، فهل يمكن تطوير هذا الدعم؟ وإذا كان لقطر مثل هذه المكانة عند "حماس" فهل يمكن للقيادة الفلسطينية تفعيل دور قطري للوصول لمصالحة وانتخابات تنهي حالة الانسداد الحالية، أم لا نية لذلك؟ ثم ما أثر هذا الدعم على مواقف "حماس" السياسية بعيدة المدى من الموقف من التسوية، ومن الترتيبات الإقليمية، وهي ملفات تنشط فيها قطر دائما؟  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 31-10-2012       

الارشيف