التوافق" و"النكاية" و"التخويف" في الاستفتاء المصري‏

 

حتى الفترة قبل اندلاع الثورات العربية، ظهر في الساحة العربية مبدآن بدا أنهما سيحكمان العمليات السياسية الديمقراطية عربيا، بالإضافة إلى فكرة قديمة مارستها الأنظمة القمعية، والقوى المحافظة سواءً التقليدية أو المرتدية أردية الثورات العلمانية.

المبدآن هما "التوافق"، و"تصويت النكاية"، والفكرة هي "التخويف" من الفتنة والأجندات الخارجية.

"التوافق" بدعة رأيناها في لبنان، عندما طالب حزب الله وأنصاره أن يحصلوا على ما أسموه "الثلث المعطّل" في الحكومات، وهددوا بتفجير الشارع إن لم يحصلوا على هذا، وخوّنوا معارضيهم ووسموهم بالعمالة لإسرائيل، ولم يرف لهم جفن وقيادات حلفاءهم في التيار العوني تحاكم بالعمالة لإسرائيل. وتعمقت الفكرة التوافقية في العراق عندما أصرت الولايات المتحدة على توافق حلفاء إيران مع القائمة العراقية التي حصلت على أكبر عدد من الأصوات، وليتنازل هؤلاء عن رئاسة الحكومة. بدت الفكرة التوافقية تأخذ نفسا جديداً إيجابياً مختلفا في مصر، عندما تعهد الرئيس المصري، الإخواني محمد مرسي، بأن لا يقر دستورا إلا توافقاً. ولكنه فاجأ العالم بمرسوم دستوري أحيى وعزز كل المخاوف من التفرد الإخواني في السلطة، وكل المخاوف من الانقلاب المستمر في مواقف الإسلام السياسي المصري، بدءا من زعمهم زمن محمد حسني مبارك أنهم يريدون المشاركة لا المغالبة، ثم إعلانهم عدم خوض الانتخابات الرئاسية، وعدم السعي لأغلبية برلمانية، وتغيير هذا، ثم الآن بدا أن تعهدات التوافق مجرد شعار. لم يحاول مرسي أن يناقش القضاة الذين كان قد شهد لهم في الإعلام ولمواقفهم في وجه مبارك، حتى نائبه الذي جاء به من القضاء لم يستشره! ولم يحاول محاورة الذين تركوا هيئة إعداد الدستور، وكثير منهم تكنوقراط وليسوا أصحاب حسابات حزبية. لم يدعُ لحوار إلا بعد أن ثار جزء من الشارع، وبعد فوات الأوان. ففتح الباب بذلك لسياسة النكاية.

سياسة وانتخابات "النكاية" شيء نراه عربيا باستمرار؛ فنحن عربيا لا نصوت قناعة بقوة ما، بقدر ما نصوت لنمنع فوز جهة ما، أو لعقاب جهة ما، مثلا صوت الفلسطينيون لحركة "حماس" نكاية وعقابا لحركة "فتح". وفي مصر ذاتها، وفي عام 2005، قالت "الشبكة العربية لحقوق الإنسان"، تعليقاً على نتائج الانتخابات في بعض المناطق المصرية: "الأهالي يُنَجِّحون المعارضة والإخوان نكاية في (الحزب) الوطني !".وتاريخيا كان يكفي أن تقول أنّ فلان "ضد النظام" حتى تؤيده الناس، في أي بلد عربي. وفي مصر كثيرون ممن أيدوا الدستور أيدوه لأنهم يؤيدون الإخوان والإسلاميين، وليس لأنهم قرأوا الدستور واقتنعوا به، ورفضوه، وقد أيد الدستور المصري، سواء بسب تأييد الإخوان، أو تأييد الدستور، أو خوفا من ضياع الاستقرار نحو 20% من أصحاب حق الاقتراع في مصر، وقرابة 64% من المقترعين، ورفضه نحو 10% من المصريين وقرابة 36% من المقترعين، وكثيرا ممن تحركوا ضد الدستور تحركوا احتجاجا على استفراد مرسي بالقرار، أو نكاية بالإسلامين، وليس بعد قراءة الدستور.  

دافع التخويف، هو القضية القديمة الجديدة؛ فأعداء الإخوان استخدموا في الانتخابات فكرة التخويف من تبني الإسلاميين الديمقراطية لمرة واحدة. وفي موضوع قبول الدستور فقد روّج له الإسلاميون باتخاذ منحى التلويح بأن عدم التأييد يعني الفوضى، وأن المعارضين يتحركون عداءً للإسلام والمسلمين، وخدمة لأجندة خارجية، ولم يرف لمن استخدم التخوين والتشكيك في الدين جفن، ولم يتذكر أن هؤلاء المعارضين هم من قاد الثورة التي تردد الإخوان بخوضها، وأن أكثر تقدم حققته الرئاسة الإخوانية منذ جاءت هي تحسين العلاقة مع واشنطن وصندوق النقد الدولي.

غاب النقاش الحقيقي، عن مضمون الدستور، غاب تقييم النصوص، وغاب الحديث عن أسس ومعاني الديمقراطية. غُيّب التوافق، فظهرت النكاية والتخويف، واستُخدمت أسلحة النزول للشارع، والإعلام الجديد، لتزوير التاريخ، ونبش التسجيلات الإعلامية لكل طرف، وحرف الحقائق، وكيل الاتهامات، من كل صوب، ثم للعب لعبة الإحصاءات بين من يتحدث عن أغلبية الناس التي لم تصوت، وأغلبية المقترعين الذين وافقوا، وأصبح الكل، في مصر وخارجها، خبير دستوري، وعارف بالتاريخ، ومدرك لخفايا القضاء المصري، وعارف بالإخوان المسلمين وتاريخهم، والكل قادر على الإفتاء السياسي.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 27/12/2012

الارشيف