بطل من الزمن الجميل‏

 

ولد وليم عام 1946، وفي سن التاسعة عشرة نقلت صحف عمّان النبأ: "قامت مجموعات فلسطينية بالدخول إلى الأرض المحتلة للقيام بعمليات عسكرية هناك، ولم نصدق الخبر". وتتوالى العمليات، ويقول "تنبهنا فجأة أنّ هناك شيئا اسمه قوات العاصفة".

لو أراد مخرج تلفزيوني تجسيد قصّة وليم، سيبدأ المشاهِد الأولى بالأبيض والأسود، أُمّه يهودية لبنانية، فرنسيّة الثقافة، ووالده مسيحي فلسطيني، لديه تعليم عال في الآثار، طفولته في نادي هليوبوليس في مصر، ومدراس الفرندز في رام الله، والفرير في عمّان، والمطران في القدس. يتحول اللون الأسود إلى شيء قريب من الألوان لحظة انضمام وليم للثورة وبدء التنقل بين دمشق، وألمانيا، والصين. ثم لحظة الضوء، يجسّدها الفصل السادس عشر من كتابه الصادر عام 2005، ويبدأه بجملة "كان الحاج اسماعيل ينزل هو ومنير في دورية واحدة ولا يفترقا. وفي إحدى المرات بعد عودة أبو صبري (صيدم) من بيت فوريك، أرسلهما أبو عمار على رأس دروية كبيرة لضرب مبنى الكنيسيت في القدس". في هذا الفصل يصف وليم لحظة إرساله عام 1968 لعبور نهر الأردن، مع آخرين لإنشاء قاعدة ارتكازية للثورة غرب النّهر. مشاهد الشباب ومياه النهر تجرفهم فيختفون، ومحاولات العبور المتكررة؛ مرة ببراميل مغلقة، ومرة سباحة، ومرة بحبال معلقة. ويدخل وليم فلسطين ويقاتل ويُؤسَر. سألتُ مرة أسيرا، من سنوات الثمانينيات، عن وليم، فقال لا أعرفه، ولكن كتاباته كانت أدبيات الأسر ندرسها ونتعلم منها.

كذلك ولد غطاس جميل صويص (نزيه أبو نضال)، في عمّان 1943، التحق بجامعة القاهرة، ويقول "كنت أسمع بصورة غامضة، في أوساط الطلبة الفلسطينيين، عن منظمة فدائية اسمها "فتح"، ولها جناح عسكري اسمه "العاصفة"، وبدأت رحلة البحث عن فتح، للالتحاق بالعاصفة.. لن أكون رجلاً إذا لم أقاتل!".

يروي سمير القنطار كيف حفزته أنباء عملية للجبهة الشعبية – القيادة العامة (عام 1974)، فانضم للمقاومة، وألهبت حماسه عملية دلال المغربي عام 1978، فقال "أنا التالي. سأكرر محاولتي حتى أصل أرض فلسطين"، فوصلها مناضلا في صفوف جبهة التحرير الفلسطينية، وقضى في الأسر طويلا.

قرر الصديق مالك ملحم إطلاق فرقة "أغاني العاشقين" مجددا، بعد نحو عشرين عاما من غيابها، وتبنّاها، كانت المخاوف أنّ تعتمد الفرقة على الإرث القديم، فهل يُقبل الجمهور الجديد عليه؟. كان مالك واثقاً من ذلك، ومن أنّه بعد إحياء الفرقة ستبدأ إنجازاً جديداً. وجمع مالك الفنانيين الذين تربى على كلماتهم وأغانيهم وهو طفل في الكويت، جمعهم من المخيمات، ومن سوريا ولبنان والأردن وكندا وبريطانيا، وأطلقها، وأضاف إليهم لاحقا قناة "عودة" الفضائية. وتعليقا على القناة يقول صديق إنّ شريحة خاصة من جمهورها هم ممن عاشوا حقبة بيروت والثورة، فهي تعيد ذكريات الزمن الجميل.

تذكّرت هذه الملاحم وأنا أستقرئ قصة الانتخابات البلدية الأخيرة في فلسطين. وأشعر بغرابة الموقف؛ فالجميع، الفائزون والخاسرون، يعلن انتسابه للثورة ذاتها ولكنهم جميعا في غربة، تعطّل البوصلة، والافتقار للقيادة، مع أنّ قدرا كبيرا من الحضارية والاحترام للآخر موجود بينهم. وليم وكثيرون من رفاقه عادوا إلى الوطن، ولكن الحيرة سيدة الموقف.

اختار وليم لمذكراته عنوان (تغريبة بني "فتح")، وخرجت مذكرات نزيه أبو نضال، بعنوان "من أوراق ثورة مغدورة"، أما سمير فأصبح في بؤرة خلاف حول الثورة السورية والربيع العربي.

أشفقت على "العاشقين" الجدد فأي ملاحم بطولية جديدة سيتحدثون عنها؟ أين صمود بيروت الذي أنتج "اشهد يا عالم علينا وع بيروت". نعم جاء طفل الحجارة في الانتفاضة الأولى، وكتائب شهداء الاقصى، وعز الدين القسّام، في الثانية. ولكنها ظواهر لم تتراكم ولم تتحول إلى حالة عامة. أشفق على شباب جامعات هذه الأيام وهم يستخدمون "الفيسبوك" للحديث عن البطولة، فيتحدثون عن قصص عمرها أربعون عاما وأكثر، ويغنون أغاني ذات الزمن.

لم يعد مفهوم "الأراضي المحتلة" واضح المعالم... وتراجعت فكرة الكفاح المسلّح.. وأدوات الثورة البديلة والجديدة ضبابية.. ربما هناك مواصفات جديدة للبطل، تنتظر أن يكتشفها ويجسّدها شخص أو قوة ما.. فيعود هناك حلم ينتمي للحاضر والمستقبل.. يداعب خيال الشاب والفتاة الحالمين بالثورة والعودة..

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 26-10-2012

الارشيف