قطر.. هل تكفي مصر عبء غزة؟‏

 

هناك مداخل عديدة لفهم العلاقة القطرية مع قطاع غزة، وهي العلاقة التي تشهد تعزيزا يوميا بالحديث عن دعم مالي وإعماري ضخم، وزيارات قطرية سامية إلى غزة، سأتحدث اليوم عن ثلاثة منها فقط.

المدخل الأول، هو المدخل المصري (الإخواني) – القطري. توقع البعض أنّ تعزيز العلاقة مع الدوحة هو رد من "حماس" على الفتور المصري بشأن غزة. ولكن يمكن رؤية الأمر وفق سيناريو آخر محتمل؛ فالعلاقة بين قطر والإخوان المسلمين عموما على خير ما يرام، في كل الملفات وكل الدول، بدءا من سوريا، مرورا بمصر، وصولا إلى فلسطين. ودخول قطر إلى غزة قد يريح نظام الرئيس محمد مرسي، فمصر تخشى أن يصبح دعمها لحركة "حماس" في غزة سببا لمتاعب مع إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى حساب أولويات أخرى وطنية مصريّة، لذا فإن دخول الدوحة في المشهد يساعد على تقليل احتمالات اتهام مصر بالتصعيد مع إسرائيل، فللدوحة علاقاتها الإيجابية مع واشنطن والإسرائيليين، بل من غير المستبعد أن نرى القاهرة تبارك بصمت تولي الدوحة علاقات الوساطة في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد قال طاهر النونو المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية بغزة، أنّه في اتصال هاتفي بين الرئيس المصري محمد مرسي ورئيس الوزراء إسماعيل هنية، نهاية الأسبوع الفائت، تمت مناقشة مشروع قطر لإعادة الإعمار "حيث تضمن اتصال الرئيس المصري مع رئيس الوزراء رسائل إيجابية في هذا الملف". القاهرة قد ترى إذن أنّ الدوحة تكفيها عبء هذا الملف.

ثاني المداخل يتعلق بمفهوم الدولة القُطرية (الدولة الأمة) وفصل الملفات؛ إذ يحاجج محمود الزّهار القيادي في "حماس" في لقائه مع قناة "بي بي سي" قبل أيام أن حركته تتبنى سياسة عدم التدخل في سياسات الدول العربية الداخلية. وهذا مبدأ يؤكد على تبني "حماس" خطاب وطني في سياساتها الخارجية، وهو مبدأ يتعارض مع فكرة "الأمة الإسلامية"، التي طالما دعى إليها الإخوان المسلمون، واتهموا غيرهم بعدم الإخلاص لها، وهو مبدأ يجسّد واقعية سياسية برغماتية، إذ تعني إيمانهم باستقلال كل دولة وشؤونها، وهو ما يعرف في العلوم السياسية باسم "الدولة الأمة" أو كل أمة حالة مستقلة بذاتها. بموجب هذه الفكرة يمكن للزهّار أن يقول (في البرنامج نفسه): "نحترم النظام السوري"، وأن يقول إن حركته لا تريد تكرار خطأ القيادة الفلسطينية الانحياز أثناء حرب العراق والكويت. بهذا المعنى يمكننا فهم أنّ جزءا من قيادة "حماس" يقبل فصل الملفات، والتغاضي بالتالي عما يجري في الدول الأخرى (فقد أصبحت لفكرة الأمة الواحدة المتداعية لبعضها بالسهر والحمى معانٍ محدودة وقليلة). بل وفصل ملفات السياسة الخارجية عن بعضها والتغاضي عن بعض جوانبها مقابل الدعم والمساعدة، فمثلا يمكن التغاضي عن القواعد الأميركية في قطر، واتصالات الدوحة مع إسرائيل، واستضافة المسؤولين الإسرائيليين في العاصمة القطرية، وداخل مباني قناة الجزيرة، طالما أنّ قطر تقدم الوقود وإعادة الإعمار، في وقت يمارس الجميع الحصار على غزة، ويمكن التأكيد أنّ تعاون الدوحة مع حلف "الناتو" في ملفات مختلفة لا يؤثر على مواقفهم من الموضوع الفلسطيني، ولا يعنيه شيئا. "حماس" إذن رغم خطابها الإسلامي يمكن أن تكون حركة وطنية، تعطي الشأن الفلسطيني أولوية، ولا يعنيها نوع الأنظمة الداعمة، أو ديمقراطيتها الداخلية، أو علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف يمكن أن تربط بين الدعم المالي المقدم لحماس وأجنداتها السياسية.

المدخل الثالث، هو العلاقات داخل حركة "حماس"؛ ما يحدث ببساطة هو أنّ قيادة الخارج، ممثلة في خالد مشعل ومساعديه، كان مصدر قوتها في الماضي أنّها قناة للتمويل والمساعدات والعلاقات الدولية، فضلا عن اتصالات مع مجموعات مسلحة داخل فلسطين. وهذا كله يتضاءل الآن، فقد أصبح لقيادة الحركة في غزة طرقها المفتوحة على قطر وإيران وغيرها، وأجهزة أمنية لها الدور الرئيسي في ظل فكرة "التهدئة"، ما يعني ببساطة تراجع دور قيادة الخارج، وينبئ أنّ أي رئيس مقبل للحركة، من الخارج، ربما سيكون له دور محدود، وسيكون القادة الحقيقيون في "غزة".    

 نشر في الغد الأردنية بتاريخ 22-10-2012

الارشيف