هاني عامر.. دولة في قلب مستوطنة‏

 

ربما يعتري المرء إذ يواجه جنديا صهيونيا شعور بالحنق والغضب، ربما التحدي والرفض، وربما شيء من خوف أحياناً؟. ولكن كيف تشعر أمٌ ترى الجندي والمستوطن والآلية والدبابة تعتقل الأسرة، مرة بعد مرة، وتباغت البيت في كل حين.

في محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية، حيث أقيمت "قناة" (سلسة مستوطنات رفيعة ممتدة كخيوط)، تصمد عائلة المواطن الفلسطيني الخمسيني، هاني عامر، المنحدر من كفر قاسم، القريبة جدا. يبدو أن أسرته عندما لجأت عام 1948 لم تمض بعيدا، وانتقلت فقط للقرى المجاورة، في الضفة الغربية. وفي سلفيت أعادوا بناء أنفسهم؛ اشتروا أراضي، وزرعوها، وحفروا بئرا ارتوازيا. وحتى نحو عشرة سنوات خلت، كان هاني يفتخر بامتلاكه مشتلا ومستنبتا للنباتات المنزلية والزراعية أصبح مقصدا للجميع.

يتذكر عامر بفخر كيف أن المشاتل الإسرائيلية حسدته على تنوع ما لديه. وعندما قررت إسرائيل توسعة المستوطنة وبناء جدار الفصل العنصري، حاولت إخراجه من المشتل الذي يوجد فيه بيت قديم، عرض عليه كما أخبرني ناشط فلسطيني آخر، وكما أكد هاني، أربعة ملايين دولار ثمنا للبيت الصغير وأرض المشتل، وحتى لا يضعف، ويتجاوز أي ضغط عائلي أو غير عائلي، باع البيت الحديث الذي كان يسكنه في الجوار، وانتقل وعائلته إلى بيت المشتل.

تفاصيل كثيرة لحكايات من الصمود وحضور الناشطين الدوليين الغربيين، وحتى إسرائيليين، لقضاء الليل معهم ومواجهة المستوطنين والجنود، وقضايا طويلة معقدة في المحاكم، واتصالات مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية، أدت إلى أن يقيم هاني عامر وعائلته في البيت داخل المستوطنة، يرتفع أمام البيت جدار الفصل العنصري، ثمانية أمتار، وأحاطوه بأسلاك من ثلاث جهات. كتب على الجدار بجانب البوابة عبارة "دولة هاني عامر"، ورسم علم فلسطين. وكما يقول فإن كل خمس دقائق معاناة تروى في ساعات؛ فالحصول على حق استخدام الهاتف قصة، السماح بالضيوف قصة، حق الدخول والخروج قصة؛ كانوا يقيدونهم بربع ساعة صباحا للخروج وربع ساعة أخرى مساء للعودة. تحرك قضائيا، واحتج كثيرا حتى أخذ مفتاح البوابة، ولكن بشروط، وهكذا يدخل أمثالنا بيته، فيشكرنا على زيارتنا!.

دمروا مشتله، وأحرقوه. منعوه من أرضه المزروعة زيتوناً، ومن رعاية شجرها وقطاف ثمرها. يدخلها بإجراءات معقدة ولفترات محدودة.    

القصة سياسيا نموذج لحيوية الحس الوطني في نفوس كثيرين، مع ضعف الفصائل والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والأمة العربية، في مساندة أمثاله.

نستفز سيدة البيت، "أم نضال"، زوجته، لتخبرنا تفاصيل الحياة، فهاني يصر أنّ "الوطن أهم" ولا حاجة للقصص الشخصية. تروي السيدة قصة الطفل الصغير الذي انسل من تحت السلك على مرأى الجنود، ولم تره هي إلا بعد خروجه، نادت عليه، وضحك الجنود، صرخت عليهم أن يعيدوه، وضحكوا. لم تعرف ماذا تفعل. دخل المستوطنة، شاهده شاب عربي يعرفه يعمل في محطة البنزين، اتصل بعائلته وأخبرهم أن الولد عنده. حين عاد، أراد الجنود مساءلة هاني لأنه مسؤول عن عدم الخروج من السلك!.

اعتدى المستوطنون عليهم مراراً قذفوهم حجارة، وقاذورات، هددوهم بشتى التهديدات. يروّع الجنود نومهم ليلا، لتفتيش البيت الذي يرابطون أمامه أصلا!.

على عكس ديدن الأطفال، عندما ذهب الطفل إلى الروضة صار يرفض العودة إلى البيت، حيث لا أطفال، وحيث الجدران والأسلاك والجنود.  

لدى هاني أوجه معاناة حياتية عديدة لو أراد أي مسؤول فلسطيني أو عربي لحلها سريعا، وقد تعب من مراجعاته في أمور مثل توصيل الكهرباء لبئر المياه في أرضه والذي يخدم آلاف المزارعين. والذي تمكن بصعوبة فائقة من تهيئة طريقة ربطه بالكهرباء الفلسطينية، إذ يقع خلف الجدار.

رسم ناشطون على الجدار قرب بيته رسما واحداً هو فينيق يطير.         

تتحدث أم نضال عن حاجة قلبها إلى عملية، فتقول: أُصبت بالأمراض وأنا في الأربعين. وزرت الطبيب لم يصدق أن هذا القلب لشخص في سني. وتضيف: يداهموننا ليل نهار،.. الأولاد يعانون... يعتدون علينا..، أتمنى أن أحيي في البيت عرسا لأحد أبنائي.. أو حتى حفل عيد ميلاد لطفل..، تتابع: قلبي دائما متوتر ويخفق "مثل مدفع".

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 19-10-2012           

                                                                                                   

الارشيف