احتجاجات الشارع الفلسطيني.. و"أوكسجين أوسلو"‏

 

يمكن فهم الإضرابات التي تعم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بطريقتين متناقضتين، متداخلتين؛ فهذه الإضرابات نتاج "مرحلة أوسلو"، وهي أيضا نتيجة لتوقف المفاوضات ومحاولات تصحيح "أوسلو".

أصبحت الإضرابات المطلبية هي الحدث اليومي في الضفة الغربية، فمن إضرابات طلبة الجامعات احتجاجا على رفع الرسوم الجامعية، إلى إضرابات نقابات سائقي السيارات العمومية وسائقي الشاحنات احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات، ثم إضرابات نقابات العاملين في الجامعات احتجاجا على عدم دفع الحكومة الفلسطينية أموال الدعم للجامعات وقضايا مطلبية أخرى، والآن نقابات الموظفين العموميين احتجاجا على تأخر الرواتب.

إذا أردنا فهم الأمور على نحو استراتيجي يمكن القول إنّ مشروع بناء الدولة والسلطة تحت الاحتلال قد فشل، وأنّ اتفاق أوسلو لم ينجح إلا في نقل الصراع إلى الساحة الفلسطينية الداخلية، وتحويل القضية من موضوع احتلال إلى قضية رواتب وتكاليف معيشة. وموضوع العجز المالي ليس إلا أحد أعراض الخلل السياسي الناتج عن اتفاقيات "أوسلو" أو بكلمات أخرى "نهج" أوسلو. ولكن المطالبين بتعديل أسلو فعلا قلّة، حتى وإن كانت الأغلبية العظمى تدرك فشل النهج وتعارضه، ولكن التحركات الميدانية على الأرض تتعلق بالأعراض الناجمة بالدرجة الأولى عن محاولة مراجعة أوسلو. بمعنى أن توقف المساعدات الدولية، بما فيها نحو 200 مليون دولار من الولايات المتحدة، تُوقف بداعي توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، كما توقف المفاوضات، ويرتبط بهذا مئات الملايين الأخرى التي يمكن أن تأتي إذا ما "أوعزت" واشنطن لعواصم عربية وغربية أن تدفع للفلسطينيين، وبهذا المعنى إذا دارت عجلة المفاوضات غدا فإنّ جزءا كبيرا مما يحرك المظاهرات والإضرابات يمكن علاجه.

يمكن المحاججة، ويجب، سؤال حكومة سلام فياض، حكومة الرئيس محمود عباس، اقتصاديا عن وعود الاستغناء عن المساعدات، ووعود جاهزية إعلان الدولة التي قيل إنّ وصولها سيعني اعترافا دوليا. ونسأل أن واقع أوسلو جعل المقاومة متعذرة، وبدل أن يقلص الارتباط باقتصاد إسرائيل، والعمل فيها، وحتى في المستوطنات، تعمق الارتباط. ولكن يجب سؤال القيادات النقابية والحراكات الطلابية والمجتمعية، ما الذي تريدونه حقاً؟ هل تُختصر المطالب بالحصول على الرواتب وتخفيف تكاليف المعيشة؟ وهل تستسهلون مواجهة السلطة بدل إسرائيل؟ سيجيبون لا، والسلطة هي التي أعاقت مواجهة الاحتلال. فيصبح السؤال كيف يعود الأمر موجها ضد الاحتلال سبب الأزمة الحقيقي، دون الاستهانة بمتطلبات حياة الناس، ودون إعفاء المسؤولين من مسؤوليتهم؟.

لا يسأل المواطن العادي، رب العائلة، المثقل بالجوع الفعلي، والفاقة، والديون أسئلة النهجين السياسي والاقتصادي ككل، وتسيطر عليه اللحظة الراهنة، ولكن بالنسبة للنخب والقوى السياسية لا بد من السؤال.

إذا كانت العلة هي "عملية أوسلو" ونتائجها التي حولتها إسرائيل إلى غطاء لفرض سياسات الأمر الواقع، فإنّ التساوق مع مخطط إسرائيل إضاعة للوقت بمفاوضات عبثية، مقابل مد الشارع الفلسطيني وبعض المسؤولين بما يكفي لإقامة الأود وادعاء وجود سلطة ومكاتب وديكورات حكومة تقوم بدور الوسيط بين الاحتلال والمواطن، بات هو أوكسجين الاستمرار للحياة، حتى لو كانت حياة مليئة بالعلل والأمراض، ويخشى ان يصبح التساوق، والعودة له، مخرجا من الأزمة الراهنة ومنعا للانفجار.    

بالمقاييس المنطقية والديمقراطية، من المستغرب بقاء المفاوض والقيادة التي أوصلتنا لهذه النتيجة، والاتفاقيات الفاشلة، بل عززوا أمكانهم، حتى مع تعاظم الفشل. ولكن لا بد أيضا من تسجيل أنّه لا يوجد حركة سياسية ومعارضة تطرح توجها استراتيجيا للتغيير، فحتى المعارضة بما فيها الفصائل الإسلامية دخلت لعبة انتخابات وتقاسم السلطة، والتهدئة، دون طرح بعيد المدى، ومطالبهم إصلاح السلطة وليس حلها.

لا يعني هذا أن حل السلطة هو الحل البديهي، بل بداية وضع تصور استراتيجي قد يكون حل السلطة جزءا منه، وقد لا يكون.

تنتظر الشعوب في العادة قادتها الرسميين، ونخبها السياسية في موقع القيادة أو المعارضة، للتوصل إلى قرارات واستراتيجيات، وقد تغرق الشعوب في مطالبها الحياتية اليومية، ولكن إذا لم تحصل تغيرات استراتيجية، وبقيت المعاناة اليومية، فستحدث في كثير من الأحيان حراكات وتحركات وديناميات مفاجئة للجميع، وتخرج الأمور عن السيطرة، ولا تكون مطالبها حياتية قصيرة الأمد بل استراتيجية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 18-10-2012

الارشيف