العودة إلى المفاوضات بدون شروط‏

 

في لقائه وفدا إسرائيليا من أعضاء أحزاب صهيونية هي العمل، والليكود، وميرتس، وكاديما، الأحد الفائت، في "المقاطعة" برام الله، قال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بحسب صحف مختلفة، إنّه في اليوم التالي للحصول على وضعية الدولة المراقب في الأمم المتحدة في تشرين ثاني (نوفمبر) المقبل، ستعود القيادة الفلسطينية إلى المفاوضات، دون شروط مسبقة. لا يثير الطرح أو التوجه استغرابا لتجاهله فقط حقيقة أنّ الاستيطان الذي كان السبب الرئيسي لوقف المفاوضات يتصاعد "بجنون"، بل ولأنّ الزمن الفاصل بين التصويت المرتقب في المنظمة الدولية والانتخابات الإسرائيلية شهران، أي أنّه حتى لو افترضنا جدلا أنّ تقدماً حصل في المفاوضات فإننا أمام تغير محتمل في الحكم في إسرائيل، وضمن عمليات تشكيل ائتلاف حكومي جديد ومفاوضات إسرائيلية داخلية لهذا الغرض ما يعني أن مفاوضات جديّة غير ممكنة أصلا، حتى وإن كانت هناك جديّة لدى الطرف الآخر بشأنها.

المثير أيضاً أنّ التصريحات تأتي في سياق تذكر عبّاس أنه كان على وشك التوصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت عام 2008، ولكنه رحل بسبب الانتخابات. وبالتأكيد يذكر الرئيس عباس أنّه كان على وشك الاتفاق مع حكومة إيهود باراك مطلع عام 2001 ورحل بسبب الانتخابات. فلماذا مفاوضات الآن؟!

يزيد بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير من جدية تصريح عبّاس، حيث يقول البيان الذي أصدرته اللجنة بالتزامن مع تصريح عباس تقريبا: "إن قرار عضوية فلسطين عندما يصدر عن الأمم المتحدة، بما تمثل من وزن، سيفتح الطريق أمام عملية سياسية جادة ولن يعطلها".

من غير المعروف إذا ما كانت اللجنة التنفيذية تؤمن بالفعل أنّ للأمم المتحدة وزنا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟! ولكن بالربط بين بيان التنفيذية وتصريح عباس، نكتشف أنّ هناك بالفعل توجها لفعلٍ ما، رغم أنّ هناك انتخابات في الولايات المتحدة وفي إسرائيل معاً. وهناك بطبيعة الحال ترجيح أنّ الانتخابات في إسرائيل لن تغير الخريطة الحكومية، ولكننا أمام حكومة تمتهن إضاعة الوقت بالتفاوض.

هل هي وسيلة فلسطينية لحشد التأييد للقرار في الأمم المتحدة؟ وهل حقا للقرار الأممي معنى بشأن المفاوضات؟ أو بشأن الحياة على الأرض؟ وهل هناك مساومات أو تفاهمات بعيدا عن الأضواء؟ والأهم؛ كيف يؤثر القرار في الأمم المتحدة بالعملية التفاوضية مع حكومة لا تكترث بالمجتمع الدولي!

تخوض الأحزاب الإسرائيلية على حد وصف صحيفة "هآريتس" انتخاباتها، مطلع العام المقبل، وفق أجندات هي إيران بالنسبة لليكود، و"سعر الجبنة" بالنسبة للعمل في إشارة للقضايا الاجتماعية الاقتصادية، ما يعني أنّ الفلسطينيين ليسوا ضمن المشهد الإسرائيلي، فهل كان هؤلاء الذين زاروا المقاطعة في سياحة سياسية مثلا؟!

يقترب في الوقت نفسه، عيد الأضحى، دون أن يتسلّم موظفو السلطة رواتب الشهر الماضي، كما تخوض الجامعات الفلسطينية سلسلة إضرابات لأسباب مالية أيضا، ما يعني - لوهلة على الأقل- أنّ الأحوال الاجتماعية والاقتصادية هي الهم الضاغط في هذه اللحظة. ويعرف الجميع بطبيعة الحال أنّ موضوع حل الدولتين يبدو أشبه برمال تتسرب وتتلاشى في ساعة رملية، ولم يعد الشارع الفلسطيني يتوقع أي شيء يُذكر على صعيد المفاوضات.

ليس واضحا ما الذي فهمه الجانب الإسرائيلي الذي يزور المقاطعة من فكرة "اليوم التالي للقرار الأممي"، والعودة للمفاوضات بدون شروط. ولكنهم طلبوا من عباس خطوة درامية تتمثل في الحضور لمخاطبة الإسرائيليين في ميدان اسحق رابين، في ذكرى مقتل الأخير في نوفمبر. غضب عباس وقال إنّه لا يوجد لديه ما يضيفه، ولوّح لهم بكتيب وزّعه عليهم يتضمن الموقف الفلسطيني من التسوية الواضح أصلا.

انتظار الانتخابات الإسرائيلية والعودة إلى المفاوضات خلال ستة شهور يعني نمو الاستيطان بنسبة تصل إلى 3%، أي نحو 10 آلاف مستوطن إسرائيلي جديد! وتتصاعد في الوقت نفسه الأزمة المالية في الضفة والقطاع، ويعاني اللاجئون الفلسطينيون الذبح في سوريا، والفاقة في لبنان، فهل حقا يمكن الانتظار؟! ألا يهدد هذا بربيع فلسطيني ما؟ سواء ضد الإسرائيليين والمستوطنين؟ أو داخلي ضد السلطة؟ أو بانفجار الصراع مع الاستيطان؟! أو أي سيناريو آخر؟!     

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 17-6-2012

الارشيف