طائرة حزب الله: الصراع الإيراني-الإسرائيلي‏

 

لا يمكن التسليم بما سارع خصوم ومنافسو حزب الله، اللبناني، بطرحه من أنّ قيام الحزب بإرسال طائرة بدون طيار، السبت 6 أكتوبر/ تشرين الأول، أنزلتها القوات الإسرائيلية قرب مفاعل ديمونا، في جنوب فلسطين، مغامرة غير محسوبة، بل بقدر ما للعملية من احتمالات التنفيس والتوظيف السياسي لاعتبارات داخلية في لبنان وسوريا، بقدر ما توجه العملية رسالة سياسية، وبقدر ما قد تخدم قدرة الردع ضد إسرائيل.

من أصعب الفترات التي قد يمرّ بها قائد بنى مجده على المواجهة العسكرية، أو على وعد المواجهة، أن يعيش حالة اللاحرب واللاسلم؛ وينطبق هذا الوضع على حزب الله، في لبنان. ويزيد من صعوبة الموقف إذا ما كان هناك من يريد التشكيك في نضال ومقاومة وانتصار هذا الطرف، وهو ما يواجهه حزب الله أيضاً، الذي يعاني كذلك تبنيّه مواقف سياسية إقليمية يعارضها كثيرون.

يتلخص واقع حزب الله، الحالي في نقاط؛ أولها، مشكلة ما يُعرف في العلاقات الدولية بنظرية "فائض القوة"،  فكل قوة عسكرية تنتصر في مواجهة، وتخرج قوية لديها جيش وجنود وأسلحة، تعاني مشكلة شائعة في التاريخ السياسي العسكري، وهي أنّ هذه القوة إمّا أن تُحوّل إلى قوة مدنيّة تدريجيا وبسلاسة، أو تتحول إلى سبب إلى صراع داخلي وقوة هدم ذاتي في المجتمع ذاته الذي تمتلكه هذه القوة، على شكل مواجهات داخلية أو تحوّل العسكر إلى مراكز قوة وتنافس وصراع، ومن الشائع استخدام هذه القوة لبدء صراع جديد مع جهة ما سوى العدو الأصلي، وهذا ما حصل مثلا في حالة نظام صدّام حسين في العراق بعد حرب إيران، إذ وجّه فائض القوة إلى الكويت (1990). ومن الشائع أيضا البدء بمواجهات وعمليات محدودة محسوبة، ضد العدو السابق مع تحاشي مواجهة مفتوحة، والهدف إحياء وديمومة نشوة الانتصارات السابقة، وبعض عمليات حزب الله السابقة على "جبهة الإسرائيليين" تحمل هذا الغرض، ولكن وحشية الرد الإسرائيلي عام 2006 جعلت هذا النهج أكثر صعوبة وخطورة. ويمكن فهم عملية الطائرة الأسبوع الماضي في هذا السياق؛ حيث تخدم العملية الحزب سياسيا في موقفه الصعب أمام الجماهير، والذي ترتب على مساندته النظام السوري، وخصوصا بعد الأنباء عن مشاركة مقاتلين من الحزب في المواجهات على التراب السوري، وبعد سنوات ظهر فيها سلاح حزب الله في المواجهات اللبنانية الداخلية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، عمليات الحزب ضد خصومه الداخليين في آيّار (مايو) 2008. ومثل هذه العملية تشجع على دعم مقولات "المقاومة والممانعة"، بغضّ النظر عن أنّها قد تكون مقولات حق يراد بها باطل أحيانا.

ولكن مشهد الطائرة لا يمكن رؤيته أيضا دون سياق المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، وتحديدا التعبئة العسكرية الإسرائيلية، بشأن حرب في المنطقة، سواءً استهدفت لبنان أو إيران. فالطائرة قد تكون بهدف جمع معلومات، أو على الأقل توجيه رسالة بأنها لجمع معلومات تساعد في حال حدوث مواجهة على توجيه صواريخ حزب الله وربما إيران بدقة، وهي رسالة للإسرائيليين بأنّ هناك أدوات لم يحسبوا حسابها في المواجهة. أضف إلى ذلك أنّ الطائرة قد تكون جس نبض للإسرائيليين ومدى جديتهم في التصعيد، وأخيرا هي رسالة، أو تجربة، أن طائرات مشابهة قد تأتي محملة بالمتفجرات مثلا، باعتبار ذلك سلاحا جديدا.

تفتعل إسرائيل أو تسرّع أو تصعّد المواجهة مع إيران لأهداف منها حرف الأنظار عن الموضوع الفلسطيني، وأزماتها الداخلية الاجتماعية والمالية. وقد يبدو أنّ الطائرة الإيرانية المرسلة من حزب الله تخدمها في هدفها هذا، ولكن الحقيقة أنّه من الناحية الموضوعية أيضاً لا يمكن لأي جهة تتعرض لمثل السياسات العدائية الإسرائيلية أن تقف صامتة، وأنّ حزب الله لطالما فاجأ إسرائيل.

طائرة حزب الله، رسالة ذات معنى وليست مغامرة طائشة، وستدخل الحسابات العسكرية الإسرائيلية، وهذا لا يلغي أنّ الصراع الإيراني -  الإسرائيلي، صراع مثقل بأهداف داخلية وحسابات ذاتية لكل الأطراف، بعيدا عن القضايا الأساسية في الصراع، وهي فلسطين والاحتلال. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 15-10-2012

الارشيف