عزون عتمة‏

 

في رواية أولى لحكاية القرية..

سُميّت القرية الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها ألفي نسمة، بالعتمة، نسبة لعائلة العتوم التي سكنتها وعمرتها، وهي العائلة نفسها التي تسكن جرش وشمال الأردن.. القرية أشبه ما تكون بـ "صرّة" قرى، فالوصول إليها في شمال وسط الضفة الغربية يكون بالمرور بقرى عدة، سينريا، وبيت أمين، وعزون وغيرها، وهي قريبة نسبيا من الساحل والبحر. يكاد أهلها وأهالي القرى المحيطة يكونون نفس العائلات، لذلك هي "صرة" القرى.. 

ساعد وقوع القرية فوق المسطح المائي في أواسط فلسطين، على انتشار آبار مياه جوفيه كثيرة. وهي مزروعة بالجوافة، والحمضيات، والبندورة، وامتدت فيها على مرمى البصر في السنوات الأخيرة حقول الزعتر، كما تلفّها "دوالي" العنب، حتى إذا ما دعيتَ إلى الغداء هناك أعدّت  "السيدات السيدات" "ورق الدوالي" الطازج، من حديقة البيت، واصطحبك الشباب إلى قرية "عزبة سليمان" القريبة، وربما صحبتكم في الرحلة "شوشو" كثيرة الأسئلة، ذات السنوات الثلاث، والتي ربما تقرر أن تداعبها فتردّ على أسئلتها بأسئلة تحيّرها، فتصمت قليلا، ثم تواصل: لماذا لا تضعين الحجاب؟ لماذا لا تضعين المناكير؟

في "عزبة سليمان" تستلمون باقي طعام الغداء المشوي في "الزرب"، أي في أفران في باطن الأرض، من السيدة أم مجدي التي أحالت ساحة البيت إلى قاعة أفراح كبيرة في الهواء الطلق، تحوي كل معدات الحفل من أضواء ومتطلبات الاستعراض ومقاعد وطاولات، وطعام، وما تجده في فندق خمس نجوم.    

وفي رواية ثانية لحكاية القرية..

بمجرد اقترابك منها، تصدمك رائحة مجاري المستوطنات الإسرائيلية التي تحيط بعزّون عتمة، مجارٍ مكشوفة تزكم الأنف وتثير الاشمئزاز.. يكون دخول القرية عبر بوابة وحيدة، يحرسها جنود، قد يوقفونك للتفتيش، ويغلقون الباب متى شاءوا..

على عتبة البوابة التي تُغلق ليلا، توفي أشخاصٌ منعوا من الخروج إلى المستشفيات، ومُنعت حوامل من ذلك أيضا..

إن لم تكن القرية محاطة تماما بالمستوطنات، وخصوصا شعاري تكفا، المقامة على أرض القرية، وأورانيت، التي تحدّها، فهي محاطة بالجدار العازل الذي يكمل مصادرة الأرض، فيُحيل القرية سجنا بكل معنى الكلمة، ويسدّ الأفق، حتى وإن كان فيها مياه، وزعتر، وجوافة، وأطفال، وحياة وفرح ومشاكل وإنجازات وأساتذة جامعة وأمراض اجتماعية. بل إنّ أسلاك ومعازل الجدار تقسم القرية إلى جزأين، إذ سُجن 74 شخصا في معزل، يدخلون بيوتهم بتصاريح من "بوابة عسكرية" أخرى. وحالة السجن هذه هي واحدة من عوامل قللت من احتمالات بروز مقاومة كبيرة للجدار العازل كما في قرى أخرى، فعزلُها سهل.

لم يكتمل المشهد؛ تصعد إلى سطح حاووز المياه، أعلى نقاط القرية، فترى الشجر والزرع، وسيخبرك أهلها بمشاريعهم الزراعية الصغيرة، ولكنهم سيشيرون: هنا "كفر قاسم" حيث وقعت المجزرة، وسترى في المستوطنة امرأة تنشر غسيلها على شرفة بيت على أرض مسروقة، قرب بيوت الأهالي المهدومة، فكل غرفة تبنيها تُهدَم، بدعوى عدم الترخيص ومقابل الأنقاض المتروكة مكانها، والغرف المسقوفة بالمعدن (الزينكو) والمهددة بالهدم أيضا، سترى البيوت والفلل الجديدة تُبنى في المستوطنة. سترى بيتا عربيا جميلا حديثا، يخبرونك أنّ قرار هدم نصفه (عاموديا) صدر. ويشيرون إلى المدرسة التي تبعد امتارا عن المستوطنة، التي تلقي أنقاضها ومخلفات البناء في المسافة الفاصلة بينهما.. تنزل عن الحاووز لتدخل المدرسة، وتتعرف إلى "ملحمة" دورة المياه، وتدخّل سفراء أجانب مع رئيس حكومة "الكيان" للسماح بها!.

أنهى غالبية الأطفال دوامهم وبدأوا مسيرة "العودة" إلى بيوتهم.. حصص طلبة الصفوف العليا منتظمة، والأساتذة يشرحون بهدوء.. المدرسة مختلطة، ربما بسب صغر القرية، الفتيات إلى اليمين والأولاد إلى اليسار. يرحب بك مدير المدرسة، وتصل القهوة سريعا، تسمع عن التعليم وهمومه وأهميته، وعن قصة المدير الذي عاد إلى فلسطين أواسط التسعينيات، بعد أن ولد وعاش في إربد والزرقاء.

يستوقفك أثناء خروجك طفلان لا يحسن أحدهما مخارج الحروف.. ويتأرجح الآخر كالبهلوان على أنابيب تشكّل "عارضة" مرمى كرة القدم، في الساحة. بعد حديث طريف يتأهبان للصورة، ويصر ذاك على وضعه البهلواني..

تغادر مسكونا بضجيج الأسئلة.. هل هي بهلوانية البقاء والرفض؟!

ماذا يرى وهو يتأرجح: الزعترَ أم المستوطنة؟! 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 12-10-2012

الارشيف