الانتفاضة الألمانية في وجه السيدة الألمانية‏

 

كنتُ في انجلترا يوم خسرتْ مباراةً في كرة القدم أمام إيطاليا في ربع النهائي الأوروبي. لم أكن أعرف يومها بأمر المباراة، أو ربما نسيت ذلك، وكنتُ في زيارة أصدقاء، وتزامن خروجي من الزيارة مع نهاية المباراة، وكان الجمهور الانجليزي عائدا من الحانات والمقاهي حيث شاهد المباراة، حينها وجدت نفسي مضطرا للاستماع للجمهور المهزوم، وبعضهم اختار أن يتحدث معي، وأذكر أنّ ما اجمعوا عليه: المهم أننا لم نُهزم على يد ألمانيا. في إشارة للصراع التاريخي السياسي والعسكري بين الغريمين. 

الآن، رغم أنها، وربما لأنّها، أول مسؤول أوروبي بارز يزور اليونان منذ اندلاع أزمتها المالية عام 2009، قوبلت المستشارة الألمانية في زيارتها أثينا أول أمس بعاصفة من الاحتجاجات، وعشرات آلاف المتظاهرين، الذين اصطدموا مع قوات الأمن، رغم أنّ أنجيلا ميركل أعلنت أن زيارتها لهذا البلد الأوروبي الذي يعاني أزمة اقتصادية خانقة، زيارة تضامنية، وانّها تأتي باعتبارها "صديقة جيدة وشريكة حقيقية".

لا ينتظر اليونانيون إذن المعونة الألمانية، بل ربما يرون برلين بمثابة اليد التي تمسك "الكمّاشة" الثلاثية التي تتكون من المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، وفي سياق دعم المستشارة لحكومة حليفها أنتونيوس سامراس، الذي يحاول خفض النفقات وزيادة الضرائب بما يوفر 13,5 مليار يورو، في سبيل الحصول من هذه المؤسسات الثلاث على مساعدات بقيمة 31 مليار يورو. طبيعي أن نفهم الغضب اليوناني، إذا علمنا أن البطالة تصل بين الشباب إلى 50%، وبشكل إجمالي 25%.

بعيدا عن التفاصيل الاقتصادية للأزمة اليونانية، يمكن رؤية زيارة ميركل في سياق دلالتين أساسيتين؛ أولاهما قرار المستشارة دعم وحدة الاتحاد الأوروبي واستمرار منطقة اليورو، بزيارة لحلفائها. ولكن من جهة ثانية، تعكس الزيارة ردود الفعل للصعود الألماني عالميا وأوروبيا، فتظاهرات مثل هذه لا تجري إلا في وجه قوى ودول يحمّلها المواطنون وِزر شؤونها الداخلية، أي دول "استعمارية". في تغطيتها لاحتجاجات الشارع اليوناني تنقل "نيويورك تايمز" مقولات عديدة لرجل الشارع اليوناني، أحد نماذجها ما تقوله ممرضة عن أنّ الزيارة "كما لو كانت لمحميّتها. ما الذي تفعله؟ التربيت على ظهورنا وإخبارنا أن نستمر لنصبح أكثر فقراً، وأنّ هذا جيد لأجلنا؟". 

تأتي زيارة ميركل بعد أن وجدت حكومة صديقة، أو حليفة، أو ما قد يراه بعض اليونانيون حكومة موالية، فلولا أنّ هذه الحكومة على وفاق مع برلين لما كانت الزيارة. كما يلحظ المراقبون أنّ ميركل تتحرك الآن متمتعة بحكومات "متعاونة"، هي حكومة سامراس اليونانية، وماريو مونتي في إيطاليا، ومارينو راجوي في إسبانيا. ولنتذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الذي هاجم ألمانيا في حملته الانتخابية ربيع هذا العام، وأعلن أنه لن يخضع لها، ثم ما إن فاز في الانتخابات حتى اتصل هاتفيا مع ميركل، ثم طلب وساطة الرئيس الأميركي باراك أوباما لديها لتمرير ترتيبات اقتصادية.

تستوفي ألمانيا الآن إذن مظهرا آخر من مظاهر العظمة، وهي المظاهرات الشعبية الرافضة، بعد أن حصلت على رؤساء حكومات ودول كبرى وصناعية إما متحالفون مع حكومتها و"يتعاونون" معها ليستطيعوا إدارة شؤونهم الداخلية، أو أنّهم يبحثون عن وساطة معها ليستطيعوا أيضا تقرير شؤون اقتصادهم. في الوقت نفسه، تعيش بريطانيا التي لم تدخل العملة الأوروبية، ولم تدخل كثيرا من تطبيقات الاتحاد الأوروبي، نوعاً من العزلة، التي ربما كانت في البدء قرارا ذاتيا، ثم تصبح الآن تهميشا لدورها ومكانتها الدولتين، لصالح ألمانيا الغريم التاريخي! 

في زيارتها إلى اليونان قالت ميركل "لم آت هنا كأستاذة لأمنح علامات"، ولكنها في المناسبة ذاتها أشارت إلى أهمية الاستفادة من تجربة ألمانيا في إعادة بناء اقتصاد شرق ألمانيا، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.

ارتباط أنظار الحكومات بقرارات برلين، وقرار برلين أن استمرار اليورو والوحدة الأوروبية مصلحة لها، والمظاهرات الغاضبة التي تستقبل قادة ألمانيا، والحديث المتزايد عن "النازية الألمانية"، التي تعبر عن مناهضة "الألمنة" (على غرار مناهضة الأمركة)، ثم الدروس التي تريد ميركل إعطائها للحكومات، كلها علامات صعود ألمانيا.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 11-10-2012

الارشيف