البحث عن إيهود باراك‏


عندما شكّل إيهود باراك حكومته عام 1999، كانت تلك الحكومة فارقة لأنّ الاعتقاد السائد، أو المؤشرات العامة أنّها جاءت بدعم وتدخل من الإدارة الأميركية، بقيادة بيل كلينتون، الذي اصطدم مع رئيس الوزراء الذي سبق باراك، بنيامين نتنياهو، على خلفية عمليّة السلام.

كان باراك (70 عاما الآن)، قد جاء من قيادة الجيش والاستخبارات، مسلّخا بأساطير مشاركته شخصيا بقتل قادة الثورة الفلسطينية في لبنان ولا سيما عملية فردان (1973) عندما قتل كمال ناصر، كمال عدوان، وأبو يوسف النجّار، وكذلك قتل خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس، 1988. كان نجماً صاعدا،  احتضنه اسحق رابين ليستقطبه لحزب العمل، ودخل أول منصب سياسي، وزيرا للخارجية بعد مقتل رابين، وفي حكومة شيمون بيريس عام 1995.

أبلغ نتنياهو (63 عاما)، يوم السبت الماضي في لقاء بينهما بعدم رضاه عن لقاءات "غير منسقة" بين باراك، وزير الدفاع الحالي، ومسوؤلين أميركيين، وتحديدا قيام إيهود بالسفر بطائرة خاصة إلى شيكاغو للقاء حاكم المدينة، الصهيوني اليهودي رام إيمانويل، الرئيس السابق للعاملين في البيت الأبيض، والمتوقع أنه قريب من أوباما، ولقاء آخر مع مستشار الأمن القومي الأميركي توم دانيلون، وعادة في مثل هذا اللقاء الأخير يتوقع حضور السفير الاسرائيلي. وعلى الاغلب فإنّ ماتم نقاشه يتعلق بالموقف من إيران، والتوتر بين البيت الأبيض وحكومة نتنياهو.

باراك الآن رئيس حزب أو كتلة برلمانية هامشية، بعد أن انتهت علاقته بحزب العمل، وليس أكيدا أن يحظى حزبه بمقاعد في البرلمان في انتخابات جديدة. وبالتالي يعتمد على تسويق نفسه شخصيا لضمان بقائه متواجدا في الساحة السياسية.

الناظر إلى المشهد الائتلافي الحكومي، من حيث التجانس، يجد أنّ أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية، يصدر بيانات ويرسل رسائل تتنصل الحكومة منها. وفي كثير من اللقاءات والمحافل الدولية يتم تجنب إرسال ليبرمان فيها، ويواجه ليبرمان اتهامات فساد قد تودي به. إذا نحن أمام حكومة قادتها غير متفاهيمن مع بعضهم، ولا ينسقون جهودهم، ويواجهون صعوبات في الحفاظ على وجودهم السياسي، سواء أكان هذا لأسباب قانونية أو سياسية.

من حيث القضايا التي تشغل إسرائيل حاليا، هناك جدل هل تكون الأولوية لموضوع إيران، الذي خصص له نتنياهو جل خطابه الأخير في الجمعية العامة في الأمم المتحدة، أم موضوع الفشل الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والمشكلات الاجتماعية المرتبطة بالاقتصاد؟ ويتهم مراقبون وسياسيون إسرائيليون نتنياهو بالاستمرار في لعبة "التخويف" لدعم استمراره، بتضخيم أخطار أمنية تواجه الإسرائيليين، كما يزعم، وأبرزها الآن إيران، ليبرر استمرار وجوده، مستفيدا من أي تصريح من الرئيس الإيراني ضد "الكيان الصهيوني". في الأثناء يحول نتنياهو ضعف حلفائه إلى علامة قوة له، فهو يهددهم بانتخابات مبكرة إذا عطلوا مشروع الميزانية الذي يقترحه للعام المقبل.

من حيث العلاقات الدولية، يبدو أنّ العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ليست على ما يرام. حتى أنّ نتنياهو، كما تنقل الصحيفة الإسرائيلية يديعوت أحرنوت، استخدم في حديث بينه وبين وزير المالية في حكومته، استخدم وصف "الصراع بيننا والأميركيين" واتهم وزير دفاعه باراك، بالسفر للولايات المتحدة لتأجيج الصراع وليبدو كما لو كان المعتدل الذي سينقذ العلاقة بين مختلف الأطراف.

ما معنى كل هذا فلسطينيا وعربيا؟

يعني هذا أنّ إسرائيل في وضع مريح للغاية، وعلاقات دولية قوية جدا، بما يؤهلها لممارسة ترف الخلافات الداخلية بين أقطاب الحكومة، ويؤهلها لأن تختلف مع الولايات المتحدة الأميركية، مع خوف الرئيس الأميركي من المجاهرة بهذا علنا، خوفا من الآثار الانتخابية لذلك عليه. وهم لا يعانون عقدة البطل والزعيم. فباراك الذي كان بطلا قوميا يوما أصبح شخصا عاديا، وطبعا سويت المسألة بينه وبين نتنياهو الآن.

كل هذه الخلافات والتجاذبات وحتى الجدل في الإعلام الإسرائيلي، تكاد لا تجد فيها ذكرا للموضوع الفلسطيني. لا المفاوضات وتعثرها، ولا "الجهاد" الفلسطيني في الأمم المتحدة، ولا نجاحات "حماس" في تحضير الجبهة للمعركة الفاصل.

البحث أين ذهب إيهود باراك، ومع من تحدث، يبدو ترفاً يلهو به الإسرائيليون.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 9-10-2012

الارشيف