بعد منح الإخوان السادات وساما‏

 

إذا كان من تكتيكات خداع الذات والدفاع عن شخص أو نظام أو حزب ما القول بأنّه "أفضل السيئيين"، وأنّ البديل أسوأ، فإنّ تكتيكاً آخر هو غفران عدم القيام بإنجاز أو فعل ما، بادّعاء أنّ البديل كان سيأتي بأفعال يستنكف هذا الطرف عن الإتيان بها، فيصبح عدم الفعل هو ما يستحق التكريم؛ حيث يمكن مثلا الدفاع عن الرئيس المصري الجديد، وعن عدم القيام برفع الحصار عن غزة، أو عدم تبني مواقف حازمة من إسرائيل تنسجم مع عقود من الخطاب الشعبوي والمزايدة في الموضوع الفلسطيني، بأنّه لو أتى شخص مثل المرشح أحمد شفيق لكانت علاقاته بإسرائيل إيجابية وشجع المفاوضات. وفي السياق نفسه يصبح انتقاد اسماعيل هنية غير مناسبٍ بالنظر إلى أنّ البديل المتوقع لهنية وحركة "حماس" أسوأ، كما يرى البعض، وهكذا يُغفر عدم الفعل، وتغفر حالة التهدئة التي كان يخوّنها من يقوم بها الآن.   

كان يمكن تلخيص سياسة الرئيس المصري الجديد، الإخواني، محمد مرسي إزاء الصراع العربي الإسرائيلي حتى أيّام خلت بأنّها عدم لعب دور فاعل؛ فإذا كان النظام السابق يلعب دور الوسيط بين الفلسطينيين والأمريكان، وأحياناً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إضافة لدور الوسيط بين الفلسطينيين أنفسهم، فإنّ النظام الجديد كما دلّت الأشهر الفائتة، آثر الانسحاب من أي دور مع إسرائيل، ولعب دورا محدودا على صعيد المصالحة. وهذا لا يلبي طموحات "حماس" غزة التي وزعت الحلوى بفوز مرسي، ولكن يمكن تبريره بالأجندة الوطنية الداخلية المصرية، وعدم إمكانية فتح جبهة ومواجهة مع الإسرائيليين ومن خلفهم الأميركيين، في الوقت الحالي على الأقل، ومن هنا أصبح التعامل مع فلسطين، بما في ذلك غزة، على أساس احترام اتفاق أوسلو. حتى الآن لا زال يمكن الدفاع عن كل هذا من خلال الإشارة إلى ضغط الأمر الواقع والظروف، واحترام الدولة المصرية للاتفاقيات والعهود الدولية. ولكن ماذا عن منح اسم الرئيس الراحل، قبل واحد وثلاثين عاما، محمد أنور السادات، وساماً بمناسبة ذكرى حرب تشرين (أكتوبر 1973)؟ ما الذي يجبر النظام الإسلامي الذي قاد طويلا تخوين اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، 1979، على تكريم من وقعها؟

هل أصبح التعامل مع الأمر بالقطعة؟ ولم تعد الأمور بخواتيمها. الناظر لكثير من التلفزيونات المصرية، بما فيها محطات حكومية، هذه الأيّام، يرى أنّ من نتائج ثورة 25 يناير رد الاعتبار للرئيس السادات؛ فقد بث التلفزيون المصري الرسمي خبرا عن إجراء "الرئيس مرسي حديثا وديا مع جمال السادات ووالدته السيدة جيهان السادات، عقب مصافحته لأفراد أسرة الرئيس الراحل أنور السادات كما صافح الرئيس أربعة من بنات الرئيس الراحل حضرن مع والدتهن وأزواجهن". وقول أرملة السادات، السيدة جيهان، كما نقل التلفزيون ("أنه لا يصح إلا الصحيح, وأن الله يدافع عن الذين آمنوا", معربة عن شكرها للرئيس مرسي على هذه اللفتة الكريمة).

تعبّر هذه اللفتة عن برغماتية، وتغير في الموقف الإيديولوجي والسياسي، وإمكانية الفصل بين قيام السادات باتفاقيات السلام ودوره العسكري، لماذا لم يكرم جنود باقون من حرب 1973 بدل السادات مثلا؟ (إلا إذا اكتشفنا الآن أنّ الإخوان المصريين لم يكونوا يعارضون اتفاقيات كامب ديفيد).

يتطلب هذا التغيير أمران، الأول هو توضيح الفلسفة الإخوانية الجديدة، في العمل الوطني والسياسي الذي يسمح بهذا التجرد من الإيديولوجيا والمواقف السياسية، وإمكانية التعامل الانتقائي مع المواقف. أو توضيح عملية المراجعات التي تمت بشأن التاريخ، أو توضيح عملية صنع القرار في مصر. ولنتخيل مثلا لو منح أحمد شفيق، وساماً للسادات ماذا كانت ردود الفعل لتكون؟ ولنتخيل لو أنّ حمدين صباحي، الناصري، جاء للحكم هل سيفعل ما فعله مرسي؟ وهل نتوقع في ذكرى العدوان الثلاثي وساما لاسم جمال عبدالناصر، ما سيعدّ "غسلا" لتاريخ العداء بين الإخوان وعبدالناصر؟ وماذا عن دور محمد حسني مبارك في حرب أكتوبر؟  والأمر الثاني، تبيان إذا ما كان ممكنا أن تنسحب هذه المرونة على ملفات أخرى مثل علاقة "حماس" مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي تراجع حدة الخلاف والتوصل إلى قواسم مشتركة.    

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 8-10-2012

الارشيف