قدح القمر في أريحا‏

 

تنبّهت في ختام المرّة الأولى التي شاهدت فيها فيلم "لغة اللوز"، أنّي لم أشاهده حقّا. وتكرر الأمر في المرة الثانية، واستجمعت المشاهدة قليلاً في الثالثة.لم أكن أعرف حسين البرغوثي، وما أزال لا أعرفه حقا. رحل الرجل العام 2002، نُكبَ محبوه بوفاته وهو في سن 48، في يوم العمّال. عمل أستاذا في جامعة بير زيت، شاعراً وكاتباً وفيلسوفاً، متحرراً من أمور كثيرة، يتجوّل "بشورت وصندل". في المرة الأولى لمشاهدتي الفيلم الذي يروي قصته، استغرقت مشاهد الطبيعة في خلفية الصورة حواسي تماماً. ذكّرني هذا بسنوات ما قبل الجدار، وقبل الحواجز. كنّا في عمّان نتلهف لشريط فيديو لعرس يأتي من فلسطين، والسبب عدا الأقارب والأحبة، أن مواكب الأعراس تعني المرور بالشوارع وأماكن نحّن ونتوق إليها. ومن الأجزاء المفضلة في الأشرطة، أنّه نشأ في محيط القدس حينها تقليد، قمعه الأبارتهايد (الفصل العنصري) الاسرائيلي؛ إذ كان العروسان يتجهان إلى حديقة في القدس، هي غالبا حديقة الجرس، الجميلة، يسيران بثياب الزفاف، وفي خلفية المشهد أغنيات.في المشاهدة الأولى للفيلم عن حسين البرغوثي، أسرني زهر اللوز والربيع والأرض والعشب والشجر، ولم أعِ النّص. في المشاهدة الثانية، استغرقتني الموسيقى والأغاني وملامح الناس، وأناقة بعضهم. في الثالثة، توقفت عند "الشخص المدهش"، كما تصفه زوجته "بترا" (أمّ آثر)، وما يقوله مهيب عن وفاته مبكرا. شعرتُ أنّ للجمال "طبقات" يستحق كل منها أن يستغرق وقته.

استمعتُ الأسبوع الماضي لرئيس بلدية أريحا، المناضل الأسمر حسن صالح، وهو يلبس "جينزا أزرق وقميصا"، ضئيل الحجم، سبق عودته إلى فلسطين تاريخ طويل، فيه نضال ومعارك ثورة وبنادق وفدائيون. قال: تعالوا إلى أريحا، القمر قريب هناك، حتى لتشعر أنّه سيستقر في كفّك إن مددتها إليه.. أو سيكون على شفتيك. قالها في مسرح المحكمة العثمانية في "رام الله التحتا"، قبل أن نتوجه ضمن برنامج ينظمه متحف بيرزيت، بعنوان "مسارات أريحا". وجلسنا وسط ساحة أريحا، في شارع عمّان، للمشاركة في حوار حول مخارج "أزمة فلسطين". أرادت الفنانة سماح حجاوي التي أدارت الحوار، حلولا خيالية جامحة. كالعادة، تردد كثيرون بالحديث وفي فهم الفكرة. تحدثتُ في السياسة، كانت هناك إيماءات رأس مؤيدة، ثم أدركت أنّ المطلوب عدم التحدث في السياسة!قام رئيس البلدية وقال دع إسرائيل تقطع الكهرباء (يشغل هذا التهديد بال الشارع الفلسطيني حاليّا)، سنتجمع هنا في الساحة ونشعل شموعا، وستعيد إسرائيل الكهرباء خلال عشرة دقائق خوفاً من اجتماعنا. صدمتني فتاة قالت إنّ حلمها وهي تجلس على ضفة البحر الميت الغربية، أن "تقطعه" إلى الجهة الأخرى. قُلت: هذا حلم غريب، أعرف كثيرين يأتون للضفة الشرقية حالمين بقطعه غربا، ويذرفون دمعاً دماً لأجل ذلك. قال آخر، يمنعوننا من كثير من البحر الميت؛ لنخرج مسيرة بعشرات الألوف نؤكد حقنا فيه، لنقطع الطرق الالتفافية عليهم. قال آخر لديّ سؤال: إذا ذهبنا لإقامة دولتنا على القمر، فهل سيُحل الأمر؟ هل سيأتي الإسرائيليون لاحتلالنا؟! وأضاف: أعتقد ذلك! وقف شاب يرتدي "شورت"، واعتذر بأنه عائد من السباحة، وسأل حجاوي: "هل تعيشين في عمّان؟!". قالت: نعم. قال: "إنت عايشة، أنا لا". ثم تحدّث "أبو علي" كلمات ظاهرها مضحك، وباطنها مبكٍ؛ قال: "نريد مزرعة بقر، ومزرعة غنم، ومصنع تعليب بندورة؛ أتخيل شبابنا وبناتنا فيها، لا يعملون في مستعمرات اليهود، في الخان الأحمر".فهمتُ مقولات الناس، بما يقوله زياد خدّاش، صديق ومريد حسين البرغوثي، عنه: لقد علمنا تدمير الثنائيات المقدّسة في الحياة والسياسة، وفي الكتابة والمعرفة. ليس حتميا أو حتى طبيعيا أن يكون الإنسان الفلسطيني دائما جيدا، واليهودي سيئا دائماً. الليل والنهار، الجمال والقبح، ضيق الحياة.. صعوبتها.. لكل شيء وجهان. الاحتلال إرهاق، والمقاومة صمود وشاعرية. يعلّق شادي، سائق التكسي الحمساوي الخارج من الاعتقال: "قصتنا مع فلسطين مثل علاقتنا مع زوجة نحبها، ننزعج أحيانا.. نبتعد قليلا.. ثم نعود".جالت كلمات حسين البرغوثي ساحة أريحا: "سوف أخرج من داخل الأرض في الليل: كفاً رخاميّة تحمل القمر الجديد قدح، فاغتسلوا في النهور وانتظروا لحظتي".

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-10-2012

الارشيف