النزول إلى الشارع: "الاحتجاج" و"التغيير" و"التخويف"‏

 

مطالبة من ينزل إلى الشارع محتجاً بأن يكون لديه برنامج إصلاح واضح ومتكامل، تجاهُل لبعض الحقائق، وتناسٍ لثلاثية "الاحتجاج"، و"التغيير"، و"التخويف" التي تحكم زماننا الراهن في المنطقة العربية.

على مدى سنوات عدة تحدّث المحللون والباحثون عن أنّ العالم العربي يعيش مجموعات مجتمع مدني، هي حركات "احتجاج" وليست حركات "تغيير"، بمعنى أنّ مجموعات كان أبرزها في مصر "كفاية" ثم "6 إبريل" وغيرها قيل إنّها قادرة على الاحتجاج ولا يوجد لديها أجندة إصلاح، أو قدرة على فرض التغيير.

جاء الربيع العربي، وأثبت أنّ هذه المقولة غير صحيحة، وتحول الاحتجاج إلى تغيير قسري، بقوة الشارع.

على مدى سنوات عديدة استخدمت القوى "المحافظة" أي التي تريد أن تحافظ على الأنظمة والنخب القائمة، ومصالحها، ونظام الواسطة، والفساد، والمحسوبية، تخويف الشارع، من الفوضى، والفتنة الوطنية بين مكونات المجتمع، والأجندات الخارجية، وتخوّف وتجيّش فئات المجتمع ضد بعضها، على أساس الطوائف والأصول والمنابت. هذا فضلا عن التخويف الأمني، سواء بقبضة الأمن الناعمة التي تعيق الحياة وفرص العمل والتقدم، أو العنيفة التي تبطش، وتسجن، وتضرب، وتهين.

أسقط الربيع العربي، ثنائية "الاحتجاج" و"التغيير"، وكسر حاجز الخوف وسخر من التخويف، وحدثت الفتنة فقط في الدول التي قاومت الأنظمة فيها التغيير بالحديد والنار.

النزول إلى الشارع هو واحد من الأمور التي تقلّصها الديمقراطية تلقائيّا، ولا تمنعها؛ فتقليص النزول إلى الشارع يحدث عندما لا يعود هناك مبرر لذلك. وبالفعل يصبح من غير الديمقراطي أحياناً النزول إلى الشارع. وبكلمات أخرى، الأصل أنّ صندوق الاقتراع يُوجِد مؤسسات برلمانية توصل ممثلين للناس إلى البرلمان يتحدثون هناك نيابة عنهم، ويشاركون في صنع القرار، فلا تعود هناك حاجة للخروج، ويبقى الشارع لفئات قليلة العدد غير ممثلة، أو نوعاً من الاستفتاء غير الرسمي في قضايا محددة شديدة الخلافية، مثل الدخول في حرب، أو في الأزمات الشديدة. ويكون نزول حزب ممثل في البرلمان تمثيلا منصفاً بحسب وزنه الشعبي  سلوكاً غير ديمقراطي، ولا يكتسب غالبا زخما شعبيا.

البرلمانات والانتخابات هي التي تُيسّر مجيء جماعات وقوى لديها برامج إصلاح محددة، وقد تفوز جماعات في البدايات دون خطط وخطوات عمل ناجعة، ولكن هذا لا يستمر. فإذا كان البرلمان غائبا، أو مصاغا ضمن قوانين انتخاب تجعله لا يمثّل الشعب تمثيلا يعبر عن الإرادة الشعبية، أو يأتي بالتزوير، يصبح المطلب الأهم، والمبرر، هو رفض العملية، ويصبح "الاحتجاج" و"الرفض" مبرران، منطقيان، وتصبح المطالبة ببرنامج تغيير سلفا، مطلبا غير مُنصِف. ويصبح التغيير المنشود لما هو قائم دون انتظار لتبين البديل.

في حالات قد يحدث خلاف شديد حول ما "هي المصلحة"؟، وحول "ما الذي يعنيه التمثيل الشعبي الحقيقي"؟، وتساعد لجان وهيئات الحوار على التوصّل لتصورات توافقية، إذا ما احترمت قرارات هذه اللجان، أما عدم احترامها فهو بمثابة الدعوة للنزول إلى الشارع. وفي حال لم تصل النخب للتوافق يمكن اللجوء أحيانا لاستفتاء نزيه، أمّا تجاوز كل هذا فيفتح باب الشارع ويرفع صوته.

الوصول لتغيير من خلال هيئات حوار، ونقاشات شعبية، وربما استفتاءات، من شأنه أن يؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير أكثر سلاسة وأكثر قبولا وربما أكثر حكمة، أمّا "تفصيل" التغيير لجعله شكليّا ووهميّا، ودعمه باستطلاعات رأي من نوع خاص، أو بزعم وتجييش فئات مستفيدة لدعمه، فيؤدي ببساطة أولا إلى تجييش مضاد، وإلى قفزة خطرة بالتأكيد، إذ يحدث التغيير بالقفز إلى المجهول، بدل تغيير وفق خريطة طريق واضحة ومتفق عليها، ولكن هذا التغيير إلى المجهول، يحدث ببساطة عندما يصل الشارع، أو جزء كبير منه، إلى قناعة أنّ أي شيء أفضل من الوضع الراهن. ومن غير المستبعد، بطبيعة الحال، أن تستغل قوى سياسية هذا الوضع لمصلحة ضيقة، ولكن في النهاية "المحافظون" المصّرون على منع التغيير هم من يتحمل الوزر الأكبر، فالتغيير السلس يقطع الطريق على "المستغلين".       

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-10-2012 

الارشيف