عندما لا ترتب مصر "حديقتها الخلفية"‏

 

قدّم نيكولاس بيلهام، مراسل مجلة "إيكونوميست"، ورقةً عن اقتصاد الأنفاق وإعادة التنمية "تحت حماس"، ضمن ندوة "اقتصاد الأنفاق في غزة"، والتي نظّمها معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية، في جامعة بيرزيت، الفلسطينية، الأسبوع الفائت، أشار فيها إلى مسح غير منشور، تضمن عينة من 500 شخص يعملون في الأنفاق التي تصل بين قطاع غزة ومصر، والمسؤولين الحكوميين في غزة الذين يشرفون ويسيطرون على الأنفاق، ليخرج بأن ثلثي التجارة في غزة  تمر عبر الأنفاق (تجارة باتجاه واحد.. فقط استيراد)، و90% من مواد البناء كذلك. الجديد في محاضرة بيلهام، ما يتعلق بالواقع الذي أوجدته الأنفاق في الطرف الآخر، في مصر.

يقدّم بيلهام انطباعا أنّ المقاومة والممانعة لإنهاء الأنفاق في غزة قد تكون أقل مما سيحدث في مصر. فهو يشير إلى أنّه لا حظ في زياراته المستمرة تغيرا في نبرة وتعابير أشخاص في "حماس" تحولوا بفضل الأنفاق إلى "رجال أعمال"، ولكن حتى حكومة "حماس" تحقق فوائد من إنهاء الأنفاق والاتجاه إلى التجارة الرسمية، شريطة أن تكون هي المسيطرة بالطبع، وهي التي تجبي الضرائب، أي أنّه بكلمات أخرى هناك معادلات توجد مصلحة لحماس في نهاية الأنفاق، أمّا في الجانب المصري، فقد تكوّن اقتصاد كبير للتهريب، في المناطق الحدودية، مما أضرّ بدور وسيطرة السلطة المصرية في شبه جزيرة سيناء، وأصبح هناك سياحة وتجارة، خفيتين، أو غير شرعيتين (بعرف القانون المصري)، بما في ذلك تجارة وزراعة المخدرات (الحشيش) والسلاح، وهي الأهداف الأصلية التي كانت الأنفاق تعمل فيها في الماضي، والتي كما يقول د. سمير أبو مدللة، عميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، في جامعة الأزهر، في غزة، في الندوة نفسها، بأنّها أنفاق قديمة، ومنها نفق اكتشف سنة 1983. ويقول بيلهام أنّ ازدهار تجارة الأنفاق أسهم بتوسع القائمين على بعضها للوصول بالتهريب إلى "إسرائيل"، ويعتقد أنّ تجارة الأنفاق جزء صِدام بعض الجماعات والأهالي في سيناء والجيش، وأنّ الفئات المستفيدة من هذه التجارة في سيناء، تعارض نفاذ القانون هناك، وقد تعمل على إفساد تحويل التجارة مع غزة لتكون نظامية وشرعية، فوق الأرض، لأنّ هذا يؤذي مصالحها، وفي دلالة على ضخامة الحركة عبر الأنفاق، يقول بيلهام إنّ السماح لشخص عادي بعبور النفق في سياحة ليوم واحد، لا تزيد في بعض الحالات عن 100 شيكل (أقل من 20 دينار أردني)، يذهب فيها الشخص إلى سيناء للتسوق والتنزه والعودة بعد ساعات.

أهم ما يعنيه حديث بيلهام أنّ لموضوع أنفاق غزة، وجه آخر، فالأمر ليس فقط فك الحصار عن الفلسطينيين، وليس موضوعا إنسانيا، أو قوميا عروبيا، بل هو قضية أمن وطني مصري.

أصبح الوضع بشأن غزة إذن أنّ من قد يعارض إغلاق الأنفاق، من داخل مصر، ليس "ثوّار" ميدان التحرير، أو جماعات دعم الانتفاضة ومناصرة الشعب الفلسطيني، بل أصحاب مصالح، تتعارض مع عملية فرض القانون.

الوضع بطبيعة الحال مختلط جدا، وعلاجه غير مستحيل، بل ممكن بفرض تدريجي، وتدابير لتعويض تلك الفئات، ولكن المستحيل بالنسبة لأي حكومة أن تستمر حالة الفلتان الأمني، وهو ما باتت الحكومة المصرية تشعر به بشكل متزايد في سيناء، وهو وضع يشجع عصابات الإجرام على استغلاله، والموساد الإسرائيلي على استثماره.

كل هذا يعني ضرورة تسوية أمر غزة؛ ويمكن "للشقيقة الكبرى"، أو القطب الإقليمي الأهم، لعب الدور المتوقع منها، لفرض النظام في ساحتها الخلفية، على أسس قد يكون منها استضافة، مؤتمر فلسطيني، بحضور إقليمي، سعودي – أردني – قطري، وجامعة الدول العربية، مثلا، لفرض تسوية نهائية بين الفلسطينيين، تُبرم كليا قبل انفضاض الجمع، وتتشكل فيها حكومة جديدة، ويحدد موعد الانتخابات وإصلاح منظمة التحرير، أو أية آليات عمل أخرى، وتوضع خطة تحرك دولية للقضية الفلسطينية، وكل هذا بضمانة ومتابعة الأطراف الحاضرة، ويتم من ضمن ذلك تسوية وضع غزة وفق تصور متفق عليه، ينهي الحصار والمعاناة، ويعزز صمودها واستقلالها عن الاحتلال. آنذاك سترتب مصر شأنها الداخلي والوطني وتحفظ أمنها القومي، وتؤكد مكانتها الإقليمية.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-10-2012      

الارشيف