مصر "الإخوانية" تدعم "الوطنية" الفلسطينية‏

 

هل اختلفت مشاعر اسماعيل هنية الآن، عن تلك اللحظة التي نزل فيها إلى الشارع حاملا علم مصر احتفالا بفوز مرسي؟!   

سؤال استدعته مشاهد تظاهرات صغيرة، في قطاع غزة، الأحد الفائت، بدعوة من حركة "حماس"، مقابل مبنى الإدارة المصرية قرب مخيم يُبنى جنوب رفح، احتجاجا على إقفال أنفاق غزة دون إيجاد حل دائم لمشكلة الحصار، ما قد يكون إِشارة أولية محسوبة، إلى توتر مكبوت بين "إخوان" غزة (حماس) وإخوان مصر. خرجت التظاهرة بعد الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء الحركة، في غزة، اسماعيل هنية، إلى مصر، حُصرت فيها لقاءاتُه برئيس الحكومة المصرية، وبقي الحديث عاما، دون حلول لمشكلات غزة، بدءا من الكهرباء، وصولا للتجارة.

انتقل جزء من قيادة "حماس"، مثل موسى أبو مرزوق، للإقامة في القاهرة، التي أصبحت تستضيف قيادات "حماس" لعقد اجتماعات مكاتبهم السياسية وهيئاتهم القيادية، ولكن المؤشرات أنّ الأمر لن يزيد عن ذلك، في تكرار لقصة النظام البعثي، السوري، الذي كان يستضيف قادة فصائل مقاوِمة، ليتحركوا "في" و"من" أي جبهة، إلا جبهة سوريا مع إسرائيل، وهو ما يحدث الآن؛ حيث لا تقدّم مصر بقيادة مرسي، وعودا بمشاريع، أو تُعرب عن نوايا لإجراء تغيير في الأمر الواقع، حتى سياسيّا، مع إسرائيل.

يتصف خطاب "الإخوان" المصريين، وهم في الحكم، بالدبلوماسية والتقليدية؛ فقد قال الرئيس مرسي في تركيا، الأحد الفائت، أنّ بلاده تتطلع إلى قيام الدولة الفلسطينية بإرادة الفلسطينيين، وعاصمتها القدس الشريف "وندعو العالم لأن يقف مع الفلسطينيين في خياراتهم"، وهو بهذا يسلّم بالقواعد التقليدية، خاصة وهو يقول: "هم يتخذون قرارتهم بإرادتهم، ونحن ندعمهم دعما تاما فيما يتخذون من قرارات".

بحسب أكثر من تقرير، منها ما نشرته "الحياة" اللندنية، نقلا عن مصدر مصري رفيع، فإنّ مصر "لن تقيم منطقة حرة مع قطاع غزة من شأنها تعزيز استقلال القطاع، وإقامة كيان منفصل على الحدود مع مصر"؛ قد يبدو هذا نوعا من رفض مصر لعب دور في الخلاف الفلسطيني الداخلي، ولكن المصدر ذاته، ربط الأمر بالاتفاقيات الإسرائيلية الفلسطينية، باريس وأوسلو. بكلمات أخرى، لن تكون سياسة مصر في غزة ثورية بأي حال، ولن تخرج عن قواعد اللعبة التقليدية في المنطقة، ولا يبدو أن الفرق سيكون جذريا عما كان عليه مع نظام حسني مبارك.

كان يمكن فهم هذا في ضوء المصلحة الوطنية المصرية، والأولويات الداخلية، وعدم الرغبة في فتح جبهة مع إسرائيل. ولكن في الواقع أنّ الوضع في سيناء، وموضوع أنفاق غزة هو أيضا موضوع مصري، فبدون حل وترتيب شؤون الحدود مع غزة، هناك وضع مضطرب في سيناء، ناتج عن تجارة الأنفاق، التي تُوجِد واقعا أمنيا معقدا على الحدود بين مصر وغزة، ما يجعل القضية مصرية، ولكن لا يبدو أنّ هناك مشروعا لحسم الملف.

يمكن تلخيص الموقف المصري أولا بالالتزام بحل الدولتين؛ فالحديث عن الدولة الفلسطينية، هو حديث، عن حل الدولتين، والحديث عن أوسلو وباريس هو إعلان التزام القاهرة ليس فقط بالاتفاقيات الإسرائيلية المصرية بل والفلسطينية الإسرائيلية كذلك. وثانيا، مصر ما بعد الثورة لن تعود لدور الشقيق الأكبر، فلسان حال الرئاسة المصرية أنّ على الفلسطينيين حسم قراراتهم وخلافاتهم الداخلية، قبل الحديث عن قطاع غزة، ولن تقوم مصر مثلا بجمع الفرقاء الفلسطينيين ليصلوا إلى تسوية تامة، ترعى تطبيقها، ولتعلمهم أنّ الوضع الراهن يضر بمصر، ولتهدد من يصر على الخلاف بنبذه. ثالثا، خفضت الرئاسة المصرية التوقعات التي رأت أنّ كون "حماس" تسيطر على غزة يعني معاملة خاصة لها، كثيرا، فضلا عن إعادة تعريف قضية فلسطين، لتصبح إسلامية أو عربية. رابعا، أن مصر وحتى مع حقيقة أنّ إسرائيل وعدم حسم قضية الحصار في غزة تضرها وطنيا، تفضل تأجيل هذا الملف، تجنبا لتوتر علاقاتها الدولية.   

الدرس الإخواني المصري، أن ّالإسلاميين، والقوميين، وغيرهم، لن يعتبروا فلسطين قضية وطنية ذات أولوية، وهذا يعزز مجددا، العوامل التي أدت إلى بروز الحركة والفصائل الوطنية الفلسطينية، في الستينيات، وسيتراجع الحديث عن أممية وإسلامية القضية، أكثر.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-10-2012

الارشيف