كنزة الفدائي‏

 

"لم ننتظر طويلا عندما استشهد والدي، في نحو شهر كنّا قد سكنا بيتنا".. لم أفهم مقصده، بداية، ثم أدركت أنّ الإسرائيليين هدموا بيتهم، عقب استشهاد والده في عملية فدائية في الثمانينيات، عقابا له أو لهم. كان حديث الثلاثيني خلدون استدراكاً، تلا انتقاده عدم مساعدة "الثورة" لهم،  وأنها لم تصل في رعايتها أسر الشهداء والجرحى ما وصله حزب الله مثلا، الذي وصفه بأنّه "دولة". قال: لم يتركنا الناس وحدنا، ولم نعرف حقا من ساعدنا لكثرتهم، جاؤوا من قريتنا والقرى المحيطة، تبرعوا بالمواد، والعمل لإعادة بناء البيت. ويقول: أقابل أحيانا شخصا من قرية بعيدة نسبيّا، فيخبرني أنّه أسهم في العمل "في عقدة الدار".

كان خلدون يحدّثنا في حضرة رفيق والده، الذي كان قائده وموجهه ومتابع العمل الفدائي معه من الخارج حينها، والذي بدأ هو الحديث، كنوع من البوح للذات، مختلطٍ بالاعتذار لخلدون الذي التقيناه صدفة، قائلاً: كنا نرتكب خطأ فادحا دون وعي، لم نكن نولي تبعات عملياتنا من استشهاد وعائلات شهداء وجرحى وأسرى الاهتمام الكافي، وكانت الأحداث والأيام تأخذنا، دون أن نشعر بعواقب الأمور.

يلوم نفسه، رغم أنّه حين عرض علّي قبلها بأيام مجموعة رسائل متبادلة بينه وبين خليل الوزير، كان منها ما يتضمن طلب مساعدات لأُسر شهداء، وجرحى، وتأشيرات أبو جهاد بشأنها. ورغم أنّه عندما ذكرت له نجل أحد شهداء مجموعاتهم، الذي أعطاني مناضل آخر من مجموعتهم عنوانه لأقابله، أسّر لي أنّ أصدقاء الشهيد ومنهم هذا المناضل الذي أعطاني العنوان، هم من أنفقوا على أبناء الشهيد الذين حظوا بتعليم عال عالمي.

لم تزرع الثورة الفلسطينية فكرة أنّ التكافل الذاتي الاجتماعي هو الأصل، لا دعم الفصائل. كان يمكن أن يكتفي خلدون بفخره وامتنانه لشعبه الذي وقف إلى جانبه، وأن يعمم آخرون تجربة رعاية ابن الشهيد، ولكن "الأبوية" والمخصصات المالية و"الدولاتية" الواهمة التي بُنيت عليها فصائل العمل الفلسطيني، خلقت توقعات بدَور رعاية اجتماعية مؤسسي، وغذّى وجود مكاتب وميزانيات ومرافقين وحرس لبعض "الشخصيات" ووجود منتفعين وفساد وقصص فساد في الثورة، هذا الاعتقاد.

في مذكراته "ثورة مغدورة" يخبرنا نزيه أبو نضال (غطاس جميل صويص، الأردني المسيحي السلطي) ابن الثورة الفلسطينية، بحلوها ومرّها، قصّة من نهاية الستينيات: "في عمان، وتحديدًا في جبل النظيف كانت شقيقاتـي مع نساء تنظيم "فتح" قد بدأن مع إطلالة فصل الشتاء صنع كنزة الفدائي، كان معظم سكان الجبل آنذاك من الشرق أردنيين، وكانت النساء تتبارى على صنع أكثر من كنزة وتضمين كل منها رسالة إلى فدائي مجهول من أم أردنية". وعن كنزة الفدائي يخبرنا أيضا يحيى يخلف، في رواية "جنة ونار" عن نساء المخيمات وبناتها في لبنان وهن يتحلق وينسجن قصص الصمود والشباب والفرح وتجاوز الألم، بينما ينسجن كنزة الفدائي.

لا يمكن التسرع بالحكم على نظام رعاية أسر الشهداء والجرحى في مسيرة الثورة الفلسطينية، فقد كان هناك مثل هذا النظام، ويستحق دراسة معمقة. أنظر الآن لأحد نشطاء الانتفاضة الأولى الذين كانوا يجمعون طعاما وبضعة دنانير من الأهالي، ويضعونها سرا في صندوق أمام بيت الأسير، لتجده عائلته في الصباح. وأراه أقرب للفساد الصغير (إن جاز التعبير)، وهو يعمل بطريق ملتوية ليدعم راتبه الصغير في السلطة.

بعد أن أنهى خلدون حديثه استمعت وإياه لنقاش فدائيَين سابقين (إن جاز التعبير)، كانا صديقا والده، يحمدان الله أنهم عادوا، بعد أوسلو، إلى الوطن ووجدوا حياة كريمة معقولة، بفضل قراهم وبيوتهم الأصلية وعملهم ورغم سنوات مطاردة الاحتلال حتى بعد العودة. وتذكروا بأسى أصدقاء بقوا في الشتات، وذكروا "فلان" الذي يبيع على بسطة، أو عربة متنقلة. ثم انتقلوا لمناقشة الوضع السياسي الراهن، وتبادلت وخلدون ابتسامة صامتة، وقد انقلب "الحمد" على نعمة العودة إلى شتائم للسياسيين الحاليين، والواقع الفاسد، حتى وصلا إلى القول "ليتنا لم نعد". 

ربما هناك حاجة لحكماء يجلسون ويتفكرون، في التجارب المضيئة التي كانت تفرض نفسها، وتنسج ثورة، وتوقعات خاطئة وممارسات كانت بمثابة تفاحة فاسدة توضع في صندوق فتفسده. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 1-10-2012

الارشيف