أوباما مشغول‏

 

لن نرى الرئيس المصري الجديد محمود مرسي، أو أيّا من رؤساء الشرق الأوسط الجدد في مقابلة مع  الرئيس الأميركي باراك أوباما؛ وإن كانت المقابلة ستحظى بتغطية إعلامية واسعة.

كان أحد شواغل المراقبين، خصوصا الإسرائيليين، في الأيام الفائتة، هل يوافق أوباما على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أن التوتر بين الرئيسين شديد؟. ولكن نتنياهو – من زاويته الضيقة على الأقل- حَفِظ ماء وجهه جزئيا، بامتناع أوباما حتى الأمس على الأقل، عقد أي لقاءات ثنائية بالرؤساء، على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في نيويورك، في حين عقد العام الماضي، على سبيل المثال، ثلاثة عشر لقاءً في المناسبة.

وقد فسّر مسؤول الصحافة في البيت الأبيض، جي كارني، ذلك للإعلام بأنّ الرئيس مشغول جدا.  

كان "جون بولتون" مندوب أمريكا في الأمم المتحدة، قبل قدوم أوباما إلى البيت الأبيض، وهو أحد صقور المحافظين الجدد، وأحد مستشاري المرشح الجمهوري للرئاسة، ميت رومني، وكان تعيينه في منصبه مندوبا في الأمم المتحدة حينها غريبا لأنه ببساطة يعتقد بضرورة تقليص دور الأمم المتحدة، وبناء سياسة أميركية لا تهتم بها كثيرا. وأحد أسباب تعثر إصلاح الأمم المتحدة الرفض الأميركي لذلك، لأنه سيعني ببساطة تقليص القيادة الأميركية العالمية فيها، والاعتراف بقوى دولية صاعدة، أو ديناميات جديدة للعلاقات الدولية.

بعد أسبوعين من خطابه في الجمعية العامة في سنته الأولى بالبيت الأبيض، حصل أوباما على جائزة نوبل للسلام، وبدا حينها كمن يحصل على الثمن مقدما لمهمة وعد أن ينفذها، وهي إيجاد عالمٍ أكثر سلما وأمانا بقيادة أميركية فاعلة ورشيدة. ويسأل ديفيد روثكوبف، محرر مجلة "السياسة الخارجية (فورين بوليسي)"، ماذا حصل بعد ثلاثة أعوام؟

وعد أوباما لدى مجيئه إلى البيت الأبيض بترجمة الواقع الجديد للعلاقات الدولية ويعكسه في سياسة بلاده الخارجية ويعزز علاقاته مع حلفائه. وهو يقدّم الآن رسالة مختلفة، هذا رغم أنّ إحدى نقاط قوته الانتخابية أنّه أقدر من منافسه رومني في المجال الدبلوماسي.

يمكن أن يبدو خطاب أوباما في الأمم المتحدة، الثلاثاء الفائت، عاطفيا، ممتعا، فيه الكثير من الذكاء والحصافة حيث حاول أنسنة مسألة السفير الأميركي الذي قُتل في ليبيا، ومنحها بعدا عاطفيا، فتحدث عنها مطولا في بداية خطابه وعاد إليها في الختام، ما يجعل القضية حاضرة في ذهنه أمام الأميركيين، وتحدث عن قيم الحرية بذكاء وحماس، وكيف أنها ليست قيما أميركية بل عالمية. ولكنه كان خطابا غريبا؛ فهو يكاد يكون محصورا بالشرق الأوسط والعرب وإيران، وباستثناء تحذيره لإيران بشأن مشروعها النووي، وتأكيده أنه سيأتي بقاتل السفير الأميركي في ليبيا، كان خطابه رد فعل وتعليقا على قضايا الفيلم المسيء والحريات، ولم يتناول قضايا عالمية، مثل إصلاح النظام الدولي والأزمة المالية العالمية وغيرها من قضايا. وفي موضوع فلسطين، كان حديثه "رفع عتب" ومجرد تكرار لأفكار عن "دولة يهودية" و"دولة فلسطينية مستقلة"، واشتراط التفاوض طريقا للسلام، بلا وعود من أي نوع.

أول معاني رفض اللقاءات الثنائية، أنّ أوباما لا يجد شأنا دوليا ضاغطا يدفعه للقاء أحد (ربما يراجع نفسه الآن مع انتقادات سلوكه هذا).

ربما لا يريد أن تظهر لقاءاته مع قادة مسلمين وعرب على أنّه تنازل في وجه الاحتجاجات بشأن الفيلم، خاصة وأنّ منافسه يتهمه بتبني لهجة اعتذارية وعدم الدفاع عن قيم الحرية الأميركية. وربما أنّه لا يجد حاجة لمقابلة الفلسطينيين أو من يؤثر في ملفهم، طالما أن الفلسطينيين سيؤجلون مطالبهم في "الدولة غير العضو" لما بعد الانتخابات، وربما لا يرى سببا للقاء نتنياهو، أو يريد تجنّب الابتزاز الذي يمارسه الأخير، بأقل خسائر انتخابية ممكنة.

الحديث الجيد عن القيم والحريات، أفضل من طروحات منافس أوباما، ميت رومني، التي تتحدث عن هيمنة أميركية باستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن في المقابل فإنّ على العالم أن يواجه حقيقة أنّه بلا قيادة، ويحتاج القادة الذين يربطون خطواتهم وقضايا شعوبهم المصيرية بانتظار الانتخابات الأميركية، لمراجعة أنفسهم، والانتباه إلى أنهم إنْ انتظروا طويلا، فإنّ شعوبهم لن تنتظر.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 27-9-2012

الارشيف