سجون "حماس" في الضفة الغربية‏

 

لماذا تختار الأجهزة الإعلامية، والناطقون الإعلاميون باسم حركة "فتح" هذا التوقيت للإعلان عمّا أسموه اكتشاف سجن لحركة "حماس"، تحت الأرض، في قرية عوريف، بمحافظة نابلس، شمال الضفة الغربية؟ هل لأنه اكتشف الآن؟ ربما يربط البعض بين هذا الإعلان والأنباء المزعومة عن حملة اعتقالات في الضفة الغربية لنشطاء على خلفية الحراك الأخير ضد الغلاء، والتقارير عن اعتقال أسرى محررين، وفي الحالتين (السجن والاعتقالات) لا يوجد مادة موثوقة من مصادر محايدة أو معروفة بدقتها، ومطلعة، لتبين ما الذي يحصل.

يمكن المضي في تحليل خبر سجن "حماس" النابلسي، ولكن ما يستحق التحليل حقا، ليس هذا الخبر المعلن عنه، بل الأخبار المفقودة.

الإعلان عن "السجن" بينما تستعد القيادة الفلسطينية الرسمية، للذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب تغيير مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، وترجح التحليلات والتقارير طلب مكانة "دولة غير عضو"، وهو طلب يسهل الحصول على موافقه عليه، لأن الجمعية العامة من يقرر بشأنه، وليس مجلس الأمن، حيث الفيتو، ولكن يتوقع ترك موعد تقديم الطلب الفعلي غير محدد، وذلك بناء على حسابات سياسية تتعلق باتصالات مع الإدارة الأميركية.

في العام الماضي كانت هناك حملة كبيرة في الأراضي الفلسطينية وخارجها للترويج لطلب الرئيس الفلسطيني الاعتراف بدولة فلسطين (الدولة 194 في الأمم المتحدة، لو أقرت حينها). وفي هذا العام لا يوجد حتى توضيح لما يجري، أو ما جرى، أو ما هو مزمع، ولا يكاد الخبر يحظى باهتمام من أي أحد، حتى إعلام "فتح". هذا رغم أنّ التحرك الدبلوماسي يكاد يكون الأداة الوحيدة المتبعة فلسطينيا باعتبارها "أداة هجومية" للمطالبة بالحق الفلسطيني، وكان هو الحراك الوحيد الذي شهد التفافا وحراكا جماهيريا واسعا ومؤيدا في الأوساط الفلسطينية في السنوات الأخيرة، بدلا من ذلك فإنّ الأراضي المحتلة مشغولة الآن بغلاء الأسعار، وأنباء اعتقالات السلطة، وسجن "حماس" المزعوم، وإضرابات سائقي سيارات الأجرة، التي تعني شلل المؤسسات والدوائر الرسمية، والجامعات، والمدارس، والحياة عموما.

ربما يمكن الرد أنّ خبر السجن جاء في هذا التوقيت لأنه ببساطة اكتُشف الآن. ما تقوله البيانات الرسمية الفلسطينية عن سجن "حماس" يتضمن في طيه تفاصيل، تجعل من يريد ممارسة الحذر الشديد في كلماته، يقول إنّه يفتقر للمنطق، ويتسم بالتسرع، فالحديث عن أعلام، وستالايت، وأدوات اتصال، وفيديو، وزي كتائب عز الدين القسام، يجعل توصيف السجن مثيرا للاستغراب. قد يبدو منطقيا، أو قابلا للتصديق، الحديث عن استعدادات "حماس" لحراك ما ضد السلطة، وقد يقتنع كثيرون بالحديث عن وحدانية السلاح، وأنه لا يحق لحماس خرق هذه الوحدانية، التي قد تؤدي إلى انقلاب شبيه بما حصل في غزة. في المقابل من السهل والمبرر للكثيرين استنتاج أنّ مثل هذا المكان، وبحسب الأوصاف الواردة في البيانات الرسمية الفلسطينية،  ربما معد لاختطاف جنود لمبادلتهم بأسرى، وبغض النظر عن مدى صواب مثل هذه الخطوة في الضفة الغربية، فإنّها لا شك تكتسب تعاطف فئات كثيرة في المجتمع.

يبرز التسرع والإبهام في إعلان الناطق باسم الأجهزة الأمنية أنّ: "حماس تبني سجوناً في المحافظات الشمالية.. لا نعرف الهدف من وراء ذلك". فالحديث عن مكان واحد صغير الحجم، فيه أشرطة فيديو وأجهزة اتصال وستالايت، أي أقرب لغرفة عمليات أو مخبأ سري، وثانيا ربما كان الأجدى الانتظار حتى تصبح التفاصيل معروفة. مثل هذه الصياغة تغري أو تبرر القول إنه حرفٌ للأنظار عن حملة اعتقالات "يقال" أن السلطة تقوم بها.

الأهم من هذا كله أنّ مثل هذه الأخبار، وتضخيمها، أو تسليط الضوء عليها في أحسن الأحوال، بينما تلف العتمة ملفات أخرى، تعبر عن حالة الفراغ السياسي، وجزء من معركة "التخوين" المتبادل بين "فتح" و"حماس"، وغياب رغبة بالوحدة. وكان منطقيا أكثر تعبئة الشارع للحراك في الأمم المتحدة، وضد الاستيطان، وضد مناورات إسرائيل بطرح قضية ما يسمى باللاجئين اليهود. بل إنّ خطوة الحكومة الفلسطينية إلغاء نظام الوكالات الحصرية للسلع والمنتجات المصنعة في إسرائيل أو المستوردة يمكن، ويستحق، أن يصبح الخبر رقم (1).    

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 26-9-2012 

الارشيف