منتقم ومغير‏

 

جميل أن تطلب إليه شقيقته مرافقتها لتخطِب لابنها.. قام مهللا، يهذّب ذقنه، ويرتدي دمايته (الزي التراثي الفلسطيني للرجال)، ويتضوّع عطرا.. ولكن في عمق المشهد معنى آخر؛ فهو حائر! كان يتمنى ابنها زوجا لابنته، بل ويود لو كان صديق ابنها الحميم زوجاً لابنته الثانية.. ولكنه ابتهج صادقا حين دعته لمرافقتها إلى بيت العروس، قبل أن يعرف من تكون..

تضحك شقيقته بمكر وجمال؛ يضجّ المشهد بالحياة أكثر.. ها هي تطلب إليه خِطبة ابنتيه من نفسه لابنها وصديقه الحميم!.

ترى شقيقته أن لا بد للزفاف من حُلّة وطقوس؛ عطر وذقن حليقة وملابس أنيقة ونظيفة، وحالة من الفرح..

تمتطي العروسان خيلا يقودهما العريسان إلى بيت الزوجية، في عرسٍ ينطبع في ذاكرة القرية، القريبة من نابلس، في فلسطين.

يهرب طفلاهما، المولودان في اليوم نفسه، من شيخ الكتّاب حيث نسيا البيضة والرغيف، اليوميان.. يصعدان الجبل، يقضيان الوقت في اللعب حتى يجّن الليل، فيخشيان الإياب في العتمة، وينامان على شجرة تين.. وحين يصل الرجال بحثا عنهما في ليل الجبل، يعتذر الشيخ من "الحبيبين" قائلا: "لا أريد رغيفا وبيضة".. يضحك الجميع، وتصبح القصة رواية تتناقلها الأيام..

ماذا سيكتب قائد فدائي سابق، درس في الأكاديميات العسكرية في الجزائر ومصر، ويحمل درجة الماجستير في الهندسة الصناعية، وعضو المجلس الثوري، في "فتح"، والقائد السابق للبحرية الفلسطينية، وقائد مشغل الآليات الثقيلة والدبابات، وقائد القوة 17 بالإنابة سابقا؟. وَصَفَ في حديثه لنا كيف كتب "الرواية" المكوّنة من 102 صفحة في زمن قياسي.

فكّرت في تحوّل الفدائيين إلى روائيين، وهو ليس أول فدائي يكتب سير ذاتية، أو غيرية، بكامل تفاصيلها الحقيقية، ويسمونها رواية؛ هل يرون حياتهم أغرب من أن تسمى سوى "رواية"؟.

على قصرها تعبر "الرواية" أربعة أجيال، منذ عشرينيات القرن الماضي إلى معركة الكرامة 1968.. لا تدوم الرومانسية في الرواية طويلا؛ لم يكن الاحتلال سبب مأساويتها الوحيد، بل قصص الثأر، بعد حادثة قتل غير مقصود لإطلاق النار في الأعراس، تقتل أحد الابنين!

"الكتاب" - رغم قصره- وثيقة، وشهادة على مجتمع، وحروب، وثورة, وبهذا المنطق تتفهم أن يكتبه صاحبه باندفاع، فهو شهادة حبسها في صدره طويلا، أو هي أقرب إلى الأمانة، التي لا بد للفدائي وهو يتقاعد، بعد أن خرج من المجلسين التشريعي والوطني الفلسطينيين، عام 2006، ومن المجلس الثوري لفتح (2005)، أن يسلّمها لشعبه ضمن عهدته وأماناته.

الكتاب قصة شهيدين "منتقم" و"مغير" (الأسماء مستعارة)، استشهدا متعانقين في "الكرامة"، والد أحدهما، الهارب من قضية الثأر، ضابط في الجيش العربي الأردني، وابنه فدائي، والثاني يلتقي قريبه، ولا يعرف بقصة الثأر بينهما إلا قرب النهاية، فيصفح عنه.

في الكتاب، عدا الشق الإنساني، جانبٌ توثيقي؛ قصص الجاسوسية، وعملاء الاحتلال في نابلس، وسوق الحميدية في دمشق، ومقهى في شارع سينما الحسين في عمان، حيث ينقلك الكتاب لتنقلات الفدائيين هناك، يتناولون الكنافة عند "حبيبة"، وفيها تفاصيل بالأسماء عن القائد الشهيد (العم) أبو علي إياد، ومساعدوه مصباح وحسام والآخرين، ومعسكر الهامة في سوريا، ودورات التدريب في القاهرة، وياسر عرفات وبكاؤه أمام جثة الشهيدين. 

في روايته "حب أقوى من الانتقام"، يسجّل برهان جرار إحدى القصص الإنسانية البسيطة في سفر الثورة، التي هي روح الإنسان الذي ثار، ومنها قصة الشهيدين اللذين تركا الجامعة والدراسة والتحقا بالثورة.

اختار جرار، وهو المقاتل، غلافا لروايته يحمل علامة ممنوع المرور فوق رصاصة، وبدلا منها وردة. حصلت على الرواية بعد جلسة كان رفاق شهيد آخر، هو أبو حسن قاسم، يروون أنّه كان حاسما حد القسوة أحيانا، ولكن أحدهم ردّ: كنا وسط حصار بيروت، وكان أبو حسن في المعركة، وفي المخيم حيث منزله، والناس تتسابق على صنبورٍ عام للحصول على المياه الشرب، ولم تكن عائلته في المخيم، فحمل وعاءين ملأهما من الصنبور. فوجئ رفيق الشهيد، الذي يروي القصة، عندما وجده يصعد إلى المنزل، يفتح الباب ويسقي النباتات، وسط أزيز الرصاص!. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 21-9-2012

الارشيف