اللامتوقع الفلسطيني‏

 

تراجعت الاحتجاجات في الشارع الفلسطيني، أو بتوصيف أدق لم تتسع كثيراً، ولكن من شبه المتفق عليه أنّها لم تكن، ولن تكون احتجاجات عابرة.

تدور في الأجواء أسئلة أهمها، هل ما حدث فلسطينيا هو شبيه بما حدث في مصر عام 2008، بما اشتهر باسم "إضراب غزل المحلّة" الذي بدأ إضرابا عماليا نقابيا، ثم تحول إلى حالة شعبية، من أهم تجلياتها مجموعات 6 إبريل الشبابية، لتنضم إلى قوى أخرى، منها "كفاية"، ومجموعات كلنا خالد سعيد، وغيرها من قوى صَهَرَها ميدان التحرير لتشكل ثورة شاملة؟.

ويتساءل كثيرون أيضاً هل ستتحول احتجاجات  غلاء الاسعار، إلى انتفاضة ثالثة ضد الاحتلال؟. وهل تؤدي لتغير في القيادة الفلسطينية؟

يصادف هذا الأسبوع ذكرى خطاب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، التاريخي، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي قال فيه: "باقون هنا، وواقفون هنا، ودائمون، وقاعدون، وخالدون هنا، ولنا هدف واحد واحد، أن نكون وسنكون".

يبدو واقع العمل الفلسطيني الدبلوماسي، حتى الآن، "باقون هنا وواقفون هنا.. وقاعدون هنا"، ولكن بالمعنى السلبي، فرغم النجاح في تحقيق اعتراف دولي متزايد بالحقوق الفلسطينية، إلا أنّه لا يوجد تقدم حقيقي ينعكس على الأرض على حياة الفلسطينيين.

تتصادف الذكرى السنوية الأولى للخطاب مع زيارة متشعبة لوفد حركة "حماس" إلى مصر، لم تتضح تفاصيلها الدقيقة بعد، ولكنها تطرح بقوة مسألة وحدانية التمثيل الفلسطيني، وتؤجج الخلاف الداخلي بشأنه، وهذه نتيجة طبيعية؛ فعدم تنفيذ اتفاقية المصالحة، بإقامة وحدة وطنية، برئاسة عباس - حتى لو كان هذا هدف قيادة "حماس" الفعلي في قطاع غزة، والذي نجحت فيه- سيؤدي لمثل هذا الواقع.

هناك دائما ميل شعبي وحتى بين المثقفين والأكاديميين، للمقارنة بين الواقع الفلسطيني وتجارب أخرى؛ بدأ هذا منذ محاولات استنساخ التجارب الفيتنامية، والصينية، ثم الإيرانية، والجنوب إفريقية، وفي أحسن الأحوال استنساخ تجارب فلسطينية سابقة، ومن ذلك الحديث المستمر عن انتفاضة ثالثة، (مع أن الانتفاضة الثانية تختلف كثيرا عن الأولى).

يمكن طرح سيناريو "تشبيهي" آخر، وقد طرحه البعض، مفاده تجربة قيادة الحاج أمين الحسيني، والمجلس الإسلامي الأعلى ثم الهيئة العربية العليا، التي اضمحلت بصمت. وبالتالي يستنتج البعض أن اضمحلال منظمة التحرير الفلسطينية، و"فتح" لصالح "حماس" في غزة، وقوى جديدة أخرى.

تأثُر الشعوب ببعضها أمر واقع وممكن، ولكن ليس بالضرورة أن يحدث، والتاريخ لا يعيد نفسه بدقة.

الظروف الموضوعية والذاتية لتجربة "كفاية" وغزل المحلة، ومصر، ليست موجودة بالضرورة في الساحة الفلسطينية.

تقول ناشطة فلسطينية، مثلا، إنّ هؤلاء الذين يطالبون بمليونيات أو مسيرات شعبية عملاقة في الضفة الغربية ينسون أن المدن والقرى مفككة، أو يسهل تفكيكها، ولا يمكن أصلا جمع أعداد كبيرة لأوقات طويلة لأي غرض. وهذا مثال على صعوبة استنساخ تجارب الثورات الشعبية.

ما يمكن قراءته بغض النظر عن محاولات البحث عن نموذج مستورد، أو ماضٍ، لمستقبل الحراك الفلسطيني، أنّ هناك حالة انهيار شبه تام في البنى القديمة، بدءا من منظمة التحرير الفلسطينية الموجودة الآن في مبنى أنيق، خلف "المقاطعة" في رام الله! لتضم هيئاتها القديمة والمجددة بطرق غامضة، بغياب مجلس وطني جديد منذ نحو ربع قرن، إلى "فتح" التي تسعى منذ أشهر لتفكيك لوغاريتمات تعيين مسؤولين لها في "غزة"، تقودهم من مكتب في رام الله، والتي تعيش المشهد المكرر تصويره، الفاشل سابقا، للانتخابات البلدية في الضفة الغربية، والعاجزة عن حسم موضوع اختيار رئيس وزراء سلطة من داخلها أو خارجها، تتوحد خلفه.

الثورة الفلسطينية في المنفى هي نموذج فلسطيني لم يكن متوقعا، والانتفاضة الأولى، نموذج ثوري لم يكن متخيلا على النحو الذي حصل.

يمكن الاتفاق أنّ الحراكات الشبابية واضرابات النقابات سواء أكانت بتحريك من داخل "فتح" في إطار النكايات، أو لم تكن، يمكن أن تتطور إلى شيء آخر.

نموذج بروز شخصية سلام فياض رئيسا للوزراء من خارج كل البنى القديمة، أو باعتباره تعبيرا جديدا عنها، بحد ذاته نموذج غير معهود، لا يعني هذا أنه صح أو خطأ.

التغيير حتمي بغض النظر عن الاتجاه.    

 نشر في الغد الأردنية بتاريخ 20-9-2012

الارشيف