الزيارات الفلسطينية.. كوميديا سوداء‏

 

يحتل حديث الزيارات، منذ شهور، مكانا بارزا في الخبر الفلسطيني، اسماعيل هنية الذي انتُخب رئيسا للوزراء عام 2006 في برلمان انتهت ولايته عام 2010 يشغلنا بأنّه سيزور مصر ثم تُؤجّل الزيارة مرارا، ثم يذهب بعد ترتيبات خاصة لعدم تجاوز الرئاسة الفلسطينية (ولاية الرئيس محمود عباس الرسمية (2005- 2009))، ثم يعلن هنية أنه سيزور مصر ثانية ثم يعلن التأجيل مرتين، ثم يخبرنا موقع "حماس" على الإنترنت )المركز الفلسطيني للإعلام) ما يلي: "ويضم الوفد المرافق ل(خالد) مشعل، كلاً من الدكتور موسى أبو مرزوق وعزّت الرشق وسامي خاطر، ومحمود الزهار، ومحمد نصر، وخليل الحية، وصالح العاروري، ونزار عوض الله، فيما وصل  رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية إلى القاهرة للمشاركة في وفد (حماس)".

قبل ذلك كان علينا متابعة دراما زيارة إيران، عندما انتفضت الدبلوماسية الفلسطينية في رام الله، لمنع زيارة هنية إلى إيران لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز، ولتعلن طهران أنها لم تدعه، ونسينا في غمرة ذلك "المسلسل" الانتباه إلى إذا ما قررت القمة شيئا ذو بالٍ فيما يتعلق بفلسطين.

وبعد دراما رسالة الرئيس المصري محمد مرسي إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وإنكار الرسالة، نقرأ أنّ "رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هاتف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتقديم التهنئة له وللإسرائيليين بمناسبة "رأس السنة العبرية".

وعلينا أن نقرأ تحليلات لماذا زار القيادي في "حماس" محمود الزهار إيران مجددا، وزار حزب الله اللبناني!.

رغم المرارة التي تحملها عبارة الصحافي الفتحاوي، الغزاوي، هشام ساق الله، فإنّها معبّرة: "الانشقاق في حركة حماس أمنية تعشش في عقول البعض من قيادات حركة فتح". ويرد هشام، على قادة حركته "لا يوجد في حركة حماس انشقاق داخلي فهم متوحدون على الانجاز غير المسبوق الذي يعيشون فيه حكومة في غزه، لا يوجد فيها احتلال، ومعابر مفتوحة، يغرفون من المال، ويعيشون حالة من الأمن والرغد المالي هم وعائلاتهم ومناصروهم، وعلاقات دولية وعربية، يتم نسجها مع كل الدول العربية بطريقة مباشرة، وغير مباشرة عبر مندوبين يزورون الآن كل الدول العربية، وسط تراجع أداء السفارات الفلسطينية في كل تلك الدول". لا يمكن بالطبع التقليل من معاني زيارة وفد "حماس" برئاسة مشعل للقاهرة، فاحتمالات إجراء ترتيبات بين "حماس" ومصر لشؤون غزة، بغض النظر عن موقف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أمر ممكن للغاية الآن، وهذا من أثمان تأخر المصالحة، وتأخر حكومة وحدة وطنية، أُقِرّت برئاسة عباس، ولهذا ثمن يتعلق بمستقبل وحدة الضفة والقطاع، واحتمالات المصالحة.   

ينطوي ما يجري في الضفة الغربية على كوميديا سوداء أيضا، ولكنه ذو دلالة كذلك؛ فقبل أسبوع شلّ سائقو سيارات الأجرة في الضفة الغربية، ومعهم سائقو الشاحنات، الحياة، وآزرهم مراهقون أحرقوا الشوارع وأغلقوها، وأغلقوا الجامعات والمدارس، ويوم الأحد قامت النقابة المحتجة نفسها، والتي تهدد بتجديد الإضراب، بمسيرة سيارات أجرة تؤكد الولاء والتأييد للرئيس عبّاس، وكانت يافطة سيارة المقدمة في رام الله تقول "ليبرمان حقير وتافه وإمعة وجبان وقزم ونكرة"، وبجانبها وتحت ثلاث صور لعبّاس، "فلتخرس كل الألسنة المتطاولة على سيادة الرئيس محمود عباس". هذه التناقضات، تعزز افتراض أنّ جزء مما يحدث خلافٌ بين بعض أعضاء مركزية "فتح" وسلام فياض.  

بات الخبر الفلسطيني: من يوافق على استقبال هنية، وأين يذهب الزهار، وكيف يحلم قادة "فتح" الجدد وسط عجزهم عن بالتأثير في الأحداث، وخلافاتهم الشخصية، أن تعني زيارة الزهار انقسام "حماس". بات الخبر غضب "فتح" من زيارات "حماس"، وإنكار الرئيس المصري إرساله رسالة، رأينا صورتها، إلى بيريز، أمّا الرئيس عبّاس فلا ينكر شيئا مما يقوم به، ومن ذلك تهنئته نتنياهو بالسنة العبرية، ونقابات السواقين تقود الشارع، مرتين، يوماً احتجاجاً على سلام فياض رئيس حكومة محمود عباس، ويوماً تأييدا للرئيس عباس ضد نائب رئيس وزراء إسرائيل أفيغدور ليبرمان.

بات المسؤول الفلسطيني يتحدث عن الاستيطان، واللاجئين، والزراعة، والحواجز،.. إلخ، كما لو كان صحافيا أو باحثا يخبرنا ماذا يحدث أما ماذا يفعل لذلك، فهذا لم يعد منتظراً.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 19-9-2012

الارشيف