للبيت رب يحميه".. القدس والفلم المسيء‏

 

انتقد سياسيون أميركيون، في مقدمتهم المرشح الجمهوري، ميت رومني، خلو برنامج الحزب الديمقراطي المنافس للانتخابات الرئاسية للعام 2012 من الإشارة إلى القدس باعتبارها عاصمة إسرائيل، وكذلك عدم الإشارة إلى الله.  توقف كثير من المراقبين والإعلاميين والسياسيين عند موضوع القدس أكثر بكثير مما توقفوا عند الإشارة إلى الله عزو جل. يذكّر هذا بأولئك الذين أدهشتهم ردة الفعل الشعبية على شبه الفيلم المسيء للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، مع حالة الصمت على "الأفلام المسيئة" التي تتضمن القتل اليومي في سوريا أو الانتهاك المستمر للمسجد الأقصى.

ربما كانت الحسابات السياسية الضيقة وراء إثارة موضوع القدس في الانتخابات الأميركية، ولكن يمكن أيضاً فهم قلة الاهتمام النسبي بموضوع الإشارات للذات الإلهية من باب أنّ البرنامج الحزبي لا يقدّم ولا يؤخر في هذا الصدد، وهو ما يذكّر بالقصة الشهيرة في السيرة النبوية، عندما هاجم أبرهة الحبشي مكة المكرمة فانصرف جهد جد الرسول علية الصلاة والسلام، عبدالمطلب، إلى تأمين الناس، مؤكدا أنّ للبيت (الكعبة) رب يحميه. وربما يمكن النظر إلى من يقارن محتجاً بين غضبة الفيلم المسيء وعدم الغضب لسفك العرب والمسلم، من زاوية الحديث النبوي الشريف الذي جاء بأكثر من رواية أحدها "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق"، وكذلك" لهدم الكعبة حجراً حجرا أهون من قتل مسلم".

على أنّ موضوع غياب القدس من برنامج الحزب الديمقراطي، والذي تم تداركه بإعادة الأمور لما كانت عليه في برامج الحزب سابقا من الإشارة للقدس باعتبارها عاصمة إسرائيل، لا يجب أن يدعو للاستنتاج أنّه تغيير للموقف الأميركي. قد يكون أوباما حاول احترام عقل الناخبين، لا دغدغة عواطفهم، فالموقف الأميركي الرسمي في الحزبين أنّ المدينة متروكة للمفاوضات النهائية، وامتنع الرؤساء الأميركيون عن تطبيق قانون يدعو لنقل السفارة الإسرائيلية من تل أبيت إلى القدس. وقد بدأت القصة عام 1972 عندما أعلن الرئيس جيرالد فورد تأييده اعتبار القدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة إليها ولكنه تراجع بناء على حسابات سياسية، وفي عام 1984 عارضت إدارة رونالد ريغان إقرار قانون بهذا الشأن، ونجح مخطط تمرير قانون عام 1995، بعد أوسلو، ولكن القانون أعطى الرئيس حق تأجيل تنفيذه بناء على معايير "الأمن القومي" وهذا ما فعله الرؤساء حتى اليوم.

توقف المراقبون عند حقيقة أنّ تراجع ذكر القدس وفلسطين ليس حكرا على برنامج الحزب الديمقراطي، بل إنّ الحزب الجمهوري الذي أيّد في برنامجه الحالي حق إسرائيل بالوجود باعتبارها "دولة يهودية"، وأيد إقامة "دولتين ديمقراطيتين – إسرائيل والقدس عاصمتها، وفلسطين – تعيشان بسلام وأمن"، أزال من برنامجه نصا ورد عام 2008 يقول "نؤيد القدس باعتبارها العاصمة الموحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية لهذه العاصمة الموحدة لإسرائيل".

هذا التقليص لذكر القدس والموضوع العربي الإسرائيلي، ربما هو تعبير عن عدم وجود نوايا أو اهتمام بلعب دور في عملية التسوية، وسيطلق العنان لإسرائيل أكثر لممارسة ما ترغب من سياسات استيطانية وتطهير عرقي، خصوصا مع استمرار حزب الليكود في الحكم.

يذكر هذا التجاهل للموضوع الفلسطيني بموقف العرب والعالم في الثمانينيات أو ما كان يسمى فلسطينيا بالسنوات العجاف التي سبقت انتفاضة العام 1987، عندما أُهملت القضية الفلسطينية. ولولا الانتفاضة، ثم حرب العراق وتفكك المعسكر الاشتراكي، لما اهتمت الإدارة الأميركية حينها بالدعوة لمؤتمر مدريد للسلام وفرض حضوره على حكومة إسحق شامير حينها.

إنّ عملية "التحريك" واستعادة الاهتمام الدولي لن تتحقق دون عملية "تحريك" على الأرض، ليس بالضرورة أن تكون انتفاضة بشكلها التقليدي، ولكن التصعيد دبلوماسيا وفي المقاومة الشعبية أدوات محتملة للتحريك. لو أنّ احتجاجات عالمية كالتي اندلعت بشأن الفلم المسيء أثيرت بشأن القدس والأقصى لكان هذا هو "التحريك" المطلوب.

يحتاج الفلسطينيون للاعتراف أنّ إدارة المرحلة الجديدة غير ممكنة بدون وحدة وطنية، ولا يمكن إدارتها بالعقلية والقيادة القديمة التي أدارت برنامج أوسلو، لذلك فإنّ إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وانتخاب قيادة جديدة أمر يشكل بحد ذاته عامل تحريك مناسب، أو مقدمة للتحريك.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 18-9-2012        

الارشيف